الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٥ - الذين غالوا في المسيح
المرتبطة بالمبدأ و المعاد و احتياجات حياة البشر.
و يصف عيسى عليه السّلام محتوى دعوته ب «الحكمة» في عبارته، و نحن نعلم أن أساس الحكمة هو المنع من شيء بقصد إصلاحه، ثمّ أطلقت على كل العقائد الحقّة، و برامج الحياة الصحيحة التي تصون الإنسان من أنواع الانحراف في العقيدة و العمل، و تتناول تهذيب نفسه و أخلاقه، و على هذا فإنّ للحكمة هنا معنى واسعا يشمل «الحكمة العلمية» و «الحكمة العملية».
و لهذه الحكمة- إضافة إلى ما مرّ- هدف آخر، و هو رفع الاختلافات التي تخلّ بنظام المجتمع، و تجعل الناس حيارى مضطربين، و لهذا السبب نرى المسيح عليه السّلام يؤكّد على هذه المسألة.
و هنا يطرح سؤال التفت إليه أغلب المفسّرين، و هو: لماذا يقول: قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَ لِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ و لم لا يبيّن الجميع؟
و قد ذكرت أجوبة عديدة لهذا السؤال، و أنسبها هو:
إنّ الاختلافات التي بين الناس نوعان: منها ما يكون مؤثرا في مصيرهم من الناحية العقائدية و العملية، و منها ما يكون في الأمور غير المصيرية، كالنظريات المختلفة حول نشأة المنظومة الشمسية و السماوات، و كيفية الأفلاك، و النجوم، و ماهية روح الإنسان، و حقيقة الحياة، و أمثال ذلك.
و من الواضح أنّ الأنبياء مكلّفون أن ينهوا الاختلافات من النوع الأوّل و يقتلعوها بواسطة تبيان الحقائق، و لكنّهم غير مكلّفين برفع أي اختلاف كان حتى و إن لم يكن له تأثير في مصير الإنسان مطلقا.
و يحتمل أيضا أن تبيان بعض الاختلافات نتيجة و غاية لدعوة الأنبياء، أي إنّهم سيوفقون أخيرا في حل بعض هذه الاختلافات، أمّا حلّ جميع الاختلافات في الدنيا فإنّه أمر غير ممكن، و لذلك تبيّن آيات متعددة من القرآن المجيد أن أحد خصائص القيامة هو ارتفاع كل الاختلافات و انتهاؤها، فنقرأ في الآية (٩٢) من