الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٧ - المؤمنون أخوة
و بديهي أنّه لو سالت دماء الطائفة الباغية و الظالمة- في هذه الأثناء- فإثمها عليها، أو كما يصطلح عليه إنّ دماءهم هدر، و إن كانوا مسلمين، لأنّ الفرض أنّ النزاع واقع بين طائفتين من المؤمنين ...
و هكذا- فإنّ الإسلام يمنع من الظلم و إن أدّى إلى مقاتلة الظالم، لأنّ ثمن العدالة أغلى من دم المسلمين أيضا، و لكن لا يكون ذلك إلّا إذا فشلت الحلول السلمية.
ثمّ يبيّن القرآن الوظيفة الثالثة فيقول: فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ.
أي لا ينبغي أن يقنع المسلمون بالقضاء على قوة الطائفية الباغية الظالمة بل ينبغي أن يعقب ذلك الصلح و أن يكون مقدّمة لقلع جذور عوامل النزاع، و إلّا فإنّه بمرور الزمن ما أن يحسّ الظالم في نفسه القدرة حتى ينهض ثانية و يثير النزاع.
قال بعض المفسّرين: يستفاد من التعبير «بالعدل» أنّه لو كان حقّ مضاع بين الطائفتين أو دم مراق و ما إلى ذلك ممّا يكون منشأ للنزاع فيجب إصلاحه أيضا، و إلّا فلا يصدق عليه «إصلاح بالعدل» [١].
و حيث أنّه تميل النوازع النفسية أحيانا في بعض الجماعات عند الحكم و القضاء الى إحدى الطائفتين المتخاصمتين و تنقض «الاستقامة» عند القضاة فإنّ القرآن ينذر المسلمين في رابع تعليماته و ما ينبغي عليهم فيقول: وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [٢].
و الآية التالية تضيف- لبيان العلّة و التأكيد على هذا الأمر قائلة: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ.
[١]- تفسير الميزان ج ١٨، ص ٣٤٢.
[٢]- كلمة «المقسطين» مأخوذة من القسط و معناها في الأصل التقسيم بالعدل، و حين ترد على صيغة الفعل الثلاثي قسط على زنة ضرب تعني الظلم و التجاوز على حصّة الآخرين ظلما، إلّا أنّه حين تأتي ثلاثي مزيد فيقال «أقسط» فإنّها تعني إعطاء الحصة عدلا، و هل القسط و العدل بمعنى واحد أم لا؟ هناك بحث ذكرناه في ذيل الآية (٢٩) من سورة الأعراف لا بأس بمراجعتها ...