الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٥ - التّفسير
و كل هذه كانت مواهب و نعما من اللّه سبحانه.
و تتحدث الآية في الفقرة الرابعة حديثا جامعا شاملا عن المواهب المادية، فتقول: وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ.
النعمة الخامسة، هي تفوقهم و قوّتهم التي لا ينازعهم فيها أحد، كما توضح الآية ذلك في ختامها فتضيف: وَ فَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ.
لا شك أنّ المراد من «العالمين» هنا هم سكان ذلك العصر، لأنّ الآية (١١٠) من سورة آل عمران تقول بصراحة: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.
و كذلك نعلم أنّ الرّسول الأعظم صلى اللّه عليه و آله و سلّم هو أشرف الأنبياء و سيدهم، و بناء على هذا فإنّ أمته أيضا تكون خير الأمم، كما ورد ذلك في الآية (٨٩) من سورة النحل:
وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ.
و تشير الآية التالية إلى الموهبة السادسة التي منحها اللّه سبحانه لهؤلاء المنكرين للجميل، فتقول: وَ آتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ.
«البينات» يمكن أن تكون إشارة إلى المعجزات الواضحة التي أعطاها اللّه سبحانه موسى بن عمران عليه السلام و سائر أنبياء بني إسرائيل، أو أنّها إشارة إلى الدلائل و البراهين المنطقية الواضحة، و القوانين و الأحكام المتقنة الدقيقة.
و قد احتمل بعض المفسّرين أن يكون هذا التعبير إشارة إلى العلامات الواضحة التي تتعلق بنبي الإسلام صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و التي علمها هؤلاء، و كان باستطاعتهم أن يعرفوا نبي الإسلام صلى اللّه عليه و آله و سلّم من خلالها كمعرفتهم بأبنائهم: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [١].
لكن لا مانع من أن تكون كلّ هذه المعاني مجتمعة في الآية.
و على أية حال، فمع وجود هذه المواهب و النعم العظيمة، و الدلائل البينة الواضحة لا يبقى مجال للاختلاف، إلّا أنّ الكافرين بالنعم هؤلاء ما لبثوا أنّ
[١]- البقرة، الآية ١٤٦.