الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٢ - نزول القرآن الدفعي و التدريجي
الملائكة بما يكون منها فيه من العبادة، و يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثمّ لا يعودون إليه أبدا» [١].
و على أية حال، فإنّ نزول القرآن جملة واحدة إلى البيت المعمور في ليلة القدر لا ينافي علم النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم به مطلقا، فإنّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم لا سبيل له إلى اللوح المحفوظ الذي هو مكنون علم اللّه، إلّا أنّه عالم بالعوالم الأخرى.
و بتعبير آخر، فإن ما استفدناه و فهمناه من الآيات السابقة، بأن القرآن نزل على النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم مرتين: نزولا دفعيا في ليلة القدر، و نزولا تدريجيا طوال (٢٣) عاما، لا ينافي الحديث المذكور الذي يقول: إنّه نزل في ليلة القدر إلى البيت المعمور، لأن قلب النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم مطلع على البيت المعمور.
و قد اتضح من خلال ما قيل في الجواب عن هذا السؤال، الإجابة عن سؤال آخر يقول: إذا كان القرآن نزل في ليلة القدر، فكيف كانت بداية بعثة النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم في السابع و العشرين من شهر رجب طبقا للروايات المشهورة؟ حيث كان لنزوله في رمضان صفة الجمع و الكلية، في حين أن أوّل آياته نزلت في (٢٧) رجب، كبداية للنزول التدريجي، و بذلك فلا مشكلة من هذه الناحية.
و الآية التالية وصف و توضيح لليلة القدر، حيث تقول: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ.
التعبير ب (يفرق) إشارة إلى أن كل الأمور و المسائل المصيرية تقدر في تلك الليلة، و التعبير ب «الحكيم» بيان لاستحكام هذا التقدير، و عدم تغيره، و كونه حكيما. غاية ما في الباب أن هذه الصفة تذكر عادة للّه سبحانه، و وصف الأمور الأخرى بها من باب التأكيد. [٢].
[١]- مجمع البيان، المجلد ٩، صفحة ١٦٣. و قد جمع العلّامة المجلسي في بحار الأنوار، المجلد ٥٨، صفحة ٥٥ و ما بعدها، الروايات المتعلقة بالبيت المعمور.
[٢]- ذكر في تفسير الميزان تفسير آخر لهذه الآية، خلاصته، إن الأمور هذا العالم مرحلتين: مرحلة الإجمال و الإبهام، و التي عبر عنها ب (حكيم)، و مرحلة التفصيل و الكثرة، و التي عبر عنها ب (يفرق) المجلد ١٨، صفحة ١٤٠.