الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٧ - لو حدثت الحرب في الحديبيّة!؟
الإنتصار على هذه الطائفة، في حين أنّه طبقا للتفسير السابق يكون المقصود هو النصر الكلّي للمسلمين على المشركين و هذا التّفسير أكثر انسجاما مع مفاد الآية ..
ممّا يستلفت النظر أنّ القرآن يؤكّد على عدم القتال في بطن مكّة، و هذا التعبير يمكن أن يكون إشارة إلى لطيفتين:
الأولى: إنّ مكّة كانت مركزا لقوّة العدو، و على القاعدة كان على أهل مكّة [المشركين] أن يغتنموا الفرصة المناسبة فيحملوا على المسلمين فقد كانوا يبحثون عنهم و عن فرصة للقضاء عليهم فإذا هم في دارهم و في قبضتهم فما كان ينبغي أن يتركوا هذه الفرصة بهذه البساطة، لكنّ اللّه سلب عنهم قدرتهم و صرفهم عنهم! الثانية: إنّ مكّة كانت حرم اللّه الآمن. فلو وقع القتال فيها لسألت الدماء فتهتك حرمة الحرم من جانب، و تكون عارا على المسلمين و عيبا أيضا. إذ سلبوا أمن هذه الأرض المقدّسة، و لذلك فإنّ من نعم اللّه على نبيّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم و على المسلمين أنّه و بعد هذه القضية بسنتين فتح عليهم مكّة و كان ذلك من دون سفك دم أيضا ..
و في آخر آية من الآيات محل البحث إشارة إلى لطيفة أخرى تتعلّق بمسألة صلح الحديبيّة و حكمتها إذ تقول الآية: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [١].
كان أحد ذنوبهم كفرهم، و الذنب الآخر صدّهم إيّاكم عن العمرة زيارة بيت اللّه و لم يجيزوا أن تنحروا الهدي في محله، أي مكّة (الهدي في العمرة ينحر [أو يذبح] في مكّة و في الحج بمنى) على حين ينبغي أن يكون بيت اللّه للجميع و صدّ المؤمنين عنه من أعظم الكبائر، كما يصرّح القرآن بذلك في مكان آخر من سورة:
وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [٢].
[١]- «معكوفا» مشتق من العكوف و معناها المنع عن الحركة و البقاء في المكان.
[٢]- البقرة، الآية ١١٤.