الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٠ - يوم الفصل!
ثمّ ذكرت الآية التالية شرحا موجزا ليوم الفصل هذا، فقالت: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ.
أجل، ذلك اليوم هو يوم الفصل و الافتراق، يوم يفارق الإنسان فيه كلّ شيء إلّا عمله، و لا يملك المولى- بأي معنى كان، الصاحب، الولي، ولي النعمة، القريب، الجار، الناصر و أمثال ذلك- القدرة على حل أصغر مشكلة من مشاكل القيامة.
«المولى» من مادة ولاء، و هي في الأصل تعني الاتصال بين شيئين بحيث لا يوجد بينهما حاجز، و له مصاديق كثيرة وردت في كتب اللغة كمعان مختلفة، تشترك جميعا في معناها الأصلي و جذرها [١].
في ذلك اليوم لا يجيب الرفيق رفيقه، و ترى الأقارب لا يحل بعضهم مشكلة بعض، بل و تتبخر كلّ الخطط و تتقطع جميع الأواصر الدنيوية كما نقرأ هذه الصورة في الآية (٤٦) من سورة الطور: يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ.
أمّا ما هو الفرق بين «لا يغني» و بين «لا هم ينصرون»؟ فإنّ أحسن ما يقال هو:
أنّ الأوّل إشارة إلى أنّ أي فرد لا يقدر في ذلك اليوم على حل مشكلة فرد آخر بصورة انفرادية مستقلة، و الثّاني إشارة إلى أنّهم عاجزون عن حل المشاكل حتى و إن تعاونوا فيما بينهم، لأنّ النصرة تقال في موضع يهبّ فيه شخص لمعونة آخر و مساندته حتى ينصره على المشاكل.
لكن هناك جماعة واحدة مستثناة فقط، و هي التي أشارت إليها الآية التالية، فقالت: إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.
لا شك أنّ هذه الرحمة الإلهية لا تمنح اعتباطا، بل تشمل الذين آمنوا و عملوا الصالحات فقط، و إذا كانوا قد بدر منهم زلل و معصية، فإنّها لا تبلغ حدّا تقطع فيه
[١]- لقد ذكرت للمولى معان كثيرة في اللغة، وعدها البعض سبعة و عشرين معنى: ١- الرب ٢- العم ٣- ابن العم ٤- الابن ٥- ابن الأخت ٦- المعتق ٧- المعتق ٨- العبد ٩- المالك ١٠- التابع ١١- المنعم عليه ١٢- الشريك ١٣- الحليف ١٤- الصاحب ١٥- الجار ١٦- النزيل ١٧- الصهر ١٨- القريب ١٩- المنعم ٢٠- الفقيد ٢١- الولي ٢٢- الأولى بالشيء ٢٣- السيد غير المالك و المعتق ٢٤- المحبّ ٢٥- الناصر ٢٦- المتصرف في الأمر ٢٧- المتولي في الأمر. (الغدير، المجلد ١، صفحة ٣٦٢).