الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٢ - التّفسير
و احتمل البعض أن يكون المراد من المقام الكريم مجالس الأنس و الطرب، أو المنابر التي كان يرتقيها المدّاحون و الشعراء للثناء على فرعون.
لكن، الظاهر أنّ المعنى الأوّل أنسب من الجميع.
و لما كان هؤلاء يمتلكون وسائل رفاه كثيرة غير الأمور الأربعة المهمّة التي مرّ ذكرها، فقد أشار القرآن إليها جميعا في جملة مقتضبة، فقال: وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ [١] [٢].
ثمّ يضيف كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ [٣].
و المراد من قَوْماً آخَرِينَ هم بنو إسرائيل، حيث صرّح بذلك في الآية (٩٥) من سورة الشعراء. و التعبير بالإرث إشارة إلى أنّهم حصلوا على كلّ هذه الأموال و الثروات من دون أن يبذلوا أدنى جهد، أو يتحملوا أقل تعب و مشقّة، كما يحصل الإنسان على الإرث دون أن يشقى و يجهد في تحصيله.
و الجدير بالانتباه أنّ الآية المذكورة و نظيرتها في سورة الشعراء توحيان بأنّ بني إسرائيل قد عادوا إلى مصر بعد غرق الفراعنة و ورثوا ميراثهم، و حكموا هناك، و سير الحوادث يقتضي- أيضا- أنّ لا يدع موسى عليه السّلام مصر تعيش فراغا سياسيا بعد انهيار دعائم حكومة الفراعنة فيها.
لكن هذا الكلام لا ينافي ما ورد في آيات القرآن الكريم من أنّ بني إسرائيل قد ساروا إلى الأرض الموعودة، أرض فلسطين، بعد خلاصهم من قبضة الفراعنة، و الذي جاء مفصلا في القرآن، فمن الممكن أن تكون جماعة منهم قد أقاموا في
[١]- «نعمة» بفتح النون تعني التنعم، و بكسرها تعني الإنعام، و قد صرح جماعة من المفسّرين و أرباب اللغة بهذا المعنى، في حين يعتقد جمع آخر أنّ للإثنين معنى واحدا يشمل كلّ المنافع التي تستحق الالتفات و النظر.
[٢]- فسّرت كلمة «فاكهين» بالاستمتاع بالفواكه تارة، و أخر بالأحاديث الفكاهية السارة، و ثالثة بالتنعم و التلذذ، و المعنى الأخير أجمع من الجميع.
[٣]- «كذلك» خبر لمبتدأ محذوف و التقدير: الأمر كذلك، و يستعمل هذا التعبير للتأكيد. و احتمل البعض احتمالات أخرى في تركيبها.