الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٠ - التّفسير
لكن لماذا صدر مثل هذا الأمر لموسى عليه السّلام؟
من الطبيعي أنّ موسى عليه السّلام و بني إسرائيل كانوا راغبين في أن يجتازوا البحر حتى تتصل المياه مرّة أخرى و تملأ هذا الفراغ، و يبتعدوا بسرعة عن منطقة الخطر، و يتجهوا بسلامة إلى الوطن الموعود، إلّا أنّهم أمروا أنّ لا يعجلوا أثناء عبورهم نهر النيل، بل ليدعوا فرعون و آخر جندي من جنوده يردون النيل، فإنّ أمر إهلاكهم و إماتتهم قد صدر إلى أمواج النيل المتلاطمة الغاضبة، و لذلك تقول الآية في ختامها إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ.
هذا هو أمر اللّه عزّ و جلّ الحتمي الصادر بحق هؤلاء القوم، بأنّهم يجب أن يغرقوا جميعا في نهر النيل العظيم، الذي كان أساس ثروتهم و قوّتهم! و بأمر إلهي واحد تحول هذا النهر الذي كان عصب حياتهم إلى أداة فنائهم و موتهم.
نعم، عند ما وصل فرعون و جنوده إلى شاطئ النيل كان بنو إسرائيل قد خرجوا من الجانب الآخر، و كان ظهور مثل ذلك الطريق اليابس وسط النيل كافيا وحده لأن يلفت نظر حتى الطفل الساذج إلى تحقق إعجاز إلهي عظيم في البحر، إلّا أنّ كبر أولئك الحمقى و غرورهم لم يسمح لهم بإدراك هذه الحقيقة الواضحة فيقفوا على اشتباهاتهم و أخطائهم، و يتوجهوا إلى اللّه سبحانه! ربّما كانوا يظنون أنّ هذا التغير الذي طرأ على النيل قد تمّ بأمر فرعون أيضا! و ربّما قال هذا الكلام لجنوده، ثمّ ورد بنفسه ذلك الطريق فتبعه جنوده حتى الجندي الأخير! لكن، أمواج النيل تلاطمت فجأة و انهالت عليهم كبناء شاهق انهدمت قواعده فانهار إلى الأرض، فغرقوا جميعا.
و لنكتة التي تلفت النظر في هذه الآيات، هي اختصارها الفائق، و كونها بليغة و معبرة في الوقت نفسه، فقد ذكر قصة مفصلة في ثلاث آيات- أو جمل- بحذف الجمل الإضافية التي تفهم من القرائن أو الجمل الأخرى، و نراها اكتفت بالقول: