الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٥
التّفسير
لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ:
كانت الآيات السابقة قد بيّنت علائم المؤمنين الصادقين، و حيث أنّا ذكرنا في شأن النّزول أنّ جماعة جاؤوا النّبي صلى اللَّه عليه و آله و سلّم و قالوا إنّ ادّعاءهم كان حقيقة و إنّ الإيمان مستقر في قلوبهم، فإنّ هذه الآيات تنذرهم و تبيّن لهم أنّه لا حاجة إلى الإصرار و القسم، كما أنّ هذا البيان و الإنذار هو لجميع الذين على شاكلة تلك الجماعة، فمسألة (الكفر و الإيمان) إنّما يطّلع عليها اللَّه الخبير بكل شيء! و لحن الآيات فيه عتاب و ملامة، إذ تقول الآية الأولى من الآيات محل البحث: قُلْ أَ تُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ.
و لمزيد التأكيد تقول الآية أيضا: وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. فذاته المقدّسة هي علمه بعينه و علمه هو ذاته بعينها [١] و لذلك فإنّ علمه أزلي أبدي! ذاته المقدّسة في كلّ مكان حاضرة، و هو أقرب إليكم من حبل الوريد، و يحول بين المرء و قلبه، فمع هذه الحال لا حاجة لادّعائكم، و هو يعرف الصادقين من الكاذبين و مطّلع على أعماق أنفسهم حتى درجات إيمانهم المتفاوتة ضعفا و قوّة، و قد تنطلي عليهم أنفسهم، إلّا أنّه يعرفها بجلاء، فعلام تصرون أن تعلّموا اللَّه بدينكم؟! ثمّ يعود القرآن لكلمات الأعراب من أهل البادية الذين يمنّون على النّبي بأنّهم أسلموا و أنّهم أذعنوا لدينه في الوقت الذي حاربته القبائل العربية الأخرى.
فيقول القرآن جوابا على كلماتهم هذه: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
[١]- يشيع على ألسنة بعضهم التعبير ب «صفاته عين ذاته و ذاته عين صفاته» و ما أشبه ذلك و هذا التعبير ركيك و الصحيح ما ورد في المتن (المصحّح).