الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠١ - إن تتولّوا سيمنح اللّه الرسالة قوما آخرين
و هنا يأتي سؤال، و هو: إنّ الآيات السابقة قد ذكرت أنّ اللّه لا يسألكم أموالكم، فكيف أمرت هذه الآية بالإنفاق في سبيل اللّه؟
غير أنّ تتمة الآية تجيب عن هذا السؤال عن طريقين، فتقول أولا: وَ مَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ [١] لأنّ ثمرة الإنفاق تعود عليكم أنفسكم في الدنيا و الآخرة، حيث يقل التفاوت الطبقي، و عندها سيعم الأمن و الهدوء في المجتمع، و تحل المحبّة و الصفاء محل العداوة و الحقد. هذا ثوابكم الدنيوي.
و أمّا في الآخرة، فستمنحون مقابل كلّ درهم أو دينار تنفقونه الهبات و النعم العظيمة التي لم تخطر على قلب بشر، و على هذا فإنّ من يبخل يبخل عن نفسه! و بتعبير آخر: فإنّ الإنفاق هنا يعني أكثر ما يعني الإنفاق في أمر الجهاد، و التعبير ب فِي سَبِيلِ اللَّهِ يلائم هذا المعنى أيضا، و من الواضح أنّ أي نوع من المساهمة في تقدّم أمر الجهاد سيضمن وجود المجتمع و استقلاله و شرفه.
و الجواب الآخر هو: وَ اللَّهُ الْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ فهو غني عن إنفاقكم في سبيله، و غني عن طاعتكم، و إنّما أنتم الفقراء إلى لطفه و رحمته و ثوابه و كرمه في الدنيا و الآخرة.
إنّ الموجودات الممكنة- و ما سوى اللّه سبحانه- متسربلة في الفقر جميعا، و الغني بذاته هو اللّه سبحانه لا غير، فإنّها فقيرة إليه دائما، حتى في أصل وجودها، و تستمد العون من منبع الفيض الأزلي كلّ لحظة، فإذا انقطعت عنها رعايته و لطفه لحظة، فسينتهي وجودها، و تخرّ أبدانها جثثا هامدة! و تحذر الجملة الأخير جميع المسلمين أن اعرفوا قدر هذه النعمة الجليلة، و الموهبة العظيمة، حيث جعلكم سبحانه حماة دينه القويم و أنصار دينه و أتباع رسوله و أصحابه، فحذار أن تقصروا في تعظيم هذه النعمة و إكبارها، إذ: وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ.
[١]- «البخل» يتعدّى مرة بعن، و أخر بعلى، و على الأوّل يعني المنع، و على الثّاني يعني الإضرار.