الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٦ - إيمان طائفة من الجن
لقد كانت قصة قوم عاد تحذيرا لمشركي مكّة في الحقيقة، و قصة إيمان طائفة من الجن تحذيرا آخر.
تقول الآية أوّلا: وَ إِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ.
إنّ التعبير ب (صرفنا)- من مادة صرف، يعني نقل الشيء و تبديله من حالة إلى اخرى- و لعله إشارة إلى أنّ الجن كانوا يصغون إلى أخبار السماء عن طريق استراق السمع، و مع ظهور نبيّ الإسلام صلى اللّه عليه و آله و سلّم رجعوا إليه و اتّجهوا نحو القرآن.
و «النفر» كما يقول الراغب في مفرداته- عدّة رجال يمكنهم النفر، و المشهور بين أرباب اللغة أنّه الجماعة من الثلاثة إلى العشرة، و أوصلها البعض إلى الأربعين.
ثمّ تضيف الآية: فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا و ذلك حينما كان النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم يتلو آيات القرآن في جوف الليل، أو في صلاة الصبح.
«انصتوا» من مادة إنصات، و هو السكوت مع الاستماع و الانتباه.
و أخيرا أضاء نور الإيمان قلوب هؤلاء، فلمسوا في أعماقهم كون آيات القرآن حقا، و لذلك: فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ و هذا دأب المؤمنين دائما، في أن يطلعوا الآخرين على الحقائق التي اطلعوا عليها، و يدلوهم على مصادر إيمانهم و منابعه الفياضة.
و تبيّن الآية التالية كيفية دعوة هؤلاء قومهم عند عودتهم إليهم، تلك الدعوة المتناسقة الدقيقة، الوجيزة و العميقة المعنى: قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى.
و من صفاته أنّا رأيناه يصدق الكتب السماوية السالفة و يتطابق معها في محتواها، و فيه العلائم الواردة في تلك الكتب: مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ [١].
و صفته الأخرى أنّه: يَهْدِي إِلَى الْحَقِ بحيث أنّ كلّ من يستند إلى عقله و فطرته يرى آيات حقانيته واضحة جلية.
[١]- لقد أوردنا تفسير هذه الجملة مفصلا في ذيل الآية ٤١ من سورة البقرة.