الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥ - أقران الشياطين!
قَرِينٌ [١] [٢].
نعم، إنّ الغفلة عن ذكر اللَّه، و الغرق في لذات الدنيا، و الانهيار بزخارفها و مغرياتها يؤدي إلى تسلط شيطان على الإنسان يكون قرينة دائما، و يلقي لجاما حول رقبته يشدّه به، و يجرّه إليه ليذهب به حيث يشاء! من البديهي أنّه لا مجال لأن يتصور أحد معنى الجبر في هذه الآية لأنّ هذه نتيجة الأعمال التي قام بها هؤلاء أنفسهم، و قد قلنا مرارا: إنّ أولى نتائج أعمال الإنسان- و خاصة الانغماس في ملاذ الدنيا، و التلوث بأنواع المعاصي- هو تكوّن حجاب على القلب و السمع و البصر يبعده عن اللَّه سبحانه، و يسلط الشياطين عليه، و قد يستمرّ هذا الحال بالنسبة إليه حتى يغلق بوجهه باب الرجوع، لأنّ الشياطين و الأفكار الشيطانية تكون حينئذ قد أحاطت به من كل جانب، و هذه نتيجة عمل الإنسان نفسه، و إن كانت نسبتها إلى اللَّه سبحانه بلحاظ كونه سبب الأسباب صحيحة أيضا، و هذا هو نفس الشيء الذي عبّر عنه في آيات القرآن الأخرى بعنوان تزيين الشياطين فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [٣]، أو بعنوان ولاية الشيطان فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ. [٤] و ممّا يستحق الانتباه أن جملة نُقَيِّضْ و بالالتفات إلى معناها اللغوي، تدل على استيلاء الشياطين، كما تدل على كونهم أقرانا، و في الوقت نفسه فقد جاءت جملة: فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ بعدها لتؤكّد هذا المعنى، و هو أنّ الشياطين لا يفارقون مثل هؤلاء الأفراد، و لا يبتعدون عنهم مطلقا!
[١]- «يعش» من مادة العشو، فإن عديت ب (إلى): (عشوت إليه) فهي تعني الهداية بواسطة شيء ما بعين ضعيفة، و إن عديت ب (عن): (عشا عنه)، و أعطت معنى الإعراض عن الشيء، و هو المراد في الآية المذكورة. لسان العرب (عشو).
[٢]- «نقيّض» من مادة قيض، و هي في الأصل بمعنى الغشاء الذي يغطي البيضة، ثمّ جاءت بمعنى جعل شيء مستوليا على شيء آخر.
[٣]- النحل، الآية ٦٣.
[٤]- النحل، الآية ٦٣.