الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠ - التوحيد كلمة الأنبياء الخالدة
لذلك، فمثلا عبّر القرآن عن إلقاء يوسف في البئر من قبل إخوته، بالجعل: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَ أَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ [١] اتّضح ممّا قلناه أنّ ضمير المفعول في (جعلها) يعود إلى كلمة التوحيد و شهادة (لا إله إلّا اللَّه) و يستفاد هذا من جملة: إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ التي تخبر عن مساعي إبراهيم من أجل استمرار خط التوحيد في الأجيال القادمة.
و ورد في روايات عديدة من طرق أهل البيت عليهم السّلام اعتبار مرجع الضمير إلى مسألة الإمامة، و ضمير الفاعل يرجع إلى اللَّه طبعا، أي إنّ اللَّه سبحانه قد جعل مسألة الإمامة مستمرّة في ذريّة إبراهيم عليه السّلام، كما يستفاد من الآية (١٢٤) من سورة البقرة، إذ لما قال اللَّه سبحانه لإبراهيم: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً طلب إبراهيم عليه السّلام أن يكون أبناؤه أئمّة أيضا، فاستجاب اللَّه دعاءه، إلّا في الذين ظلموا و تلوّثوا بالمعصية و الجور: قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.
إلّا أنّ الإشكال الذي يتبادر لأوّل وهلة هو أنّه لا كلام عن الإمامة في الآية مورد البحث، اللهمّ إلّا أن تكون جملة (سيهدين) إشارة إلى هذا المعنى، لأنّ هداية النّبي صلى اللَّه عليه و آله و سلّم، و الأئمّة عليهم السّلام شعاع من هداية اللَّه المطلقة، و حقيقة الهداية و الإمامة واحدة.
و الأفضل من ذلك أن يقال: إنّ مسألة الإمامة مندرجة في كلمة التوحيد، لأنّ للتوحيد فروعا أحدها التوحيد في الحاكميّة و الولاية و القيادة، و نحن نعلم أنّ الأئمّة يأخذون ولايتهم و زعامتهم من اللَّه سبحانه، لا أنّهم مستقلّون بأنفسهم، و بهذا فإنّ هذه الرّوايات تعتبر من قبيل بيان مصداق و فرع من المعنى العام ل جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً و لهذا فإنّه لا منافاة مع التّفسير الذي ذكرناه في البداية.
[١]- يوسف، الآية ١٥.