الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٧ - آيات اللّه في كلّ مكان
المختلفة تماما، و التي قد يصرف جمع من العلماء كلّ أعمارهم أحيانا لمطالعة حياة و سلوك نوع واحد منها، و مع أنّ آلاف الكتب قد كتبت حول أسرار هذه المخلوقات، فإنّ ما نعلمه عنها قليل بالنسبة إلى ما نجهله منها ... كلّ واحد من هذه المخلوقات آية بنفسه، و دليل على علم مبدئ الخلقة و حكمته و قدرته اللامتناهية.
لكن، لماذا يعيش جماعة عشرات السنين في ظل هذه الآيات، و يمرون عليها، دون أن يطلعوا حتى على واحدة منها!؟
إنّ سبب ذلك هو ما يقرره القرآن الكريم من أنّ هذه الآيات خاصّة للمؤمنين و طلاب اليقين و أصحاب الفكر و العقل، و لأولئك الذين فتحوا أبواب قلوبهم لمعرفة الحقيقة، بكلّ وجودهم الظامئ للعلم و اليقين ليرتووا من صافي نبعه و فيضه، فلا تعزب عن نظرهم أدنى حركة و لا أصغر موجود، و يفكرون فيه الساعات الطوال، ليجعلوا منه سلما للارتقاء إلى اللّه سبحانه، و سجلا لمعرفته جلّ و علا، و ليذوبوا في مناجاته، و ليملؤوا أقداح قلوبهم من خمرة عشقه فينتشوا منها.
و تذكر الآية التالية ثلاث مواهب أخرى لكلّ منها أثره الهام في حياة الإنسان و الكائنات الحية الأخرى، و كل منها آية من آيات اللّه تعالى، و هي مواهب «النور» و «الماء» و «الهواء»، فتقول: وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
إنّ نظام «النور و الظلمة»، و حدوث الليل و النهار حيث يخلف كلّ منهما الآخر نظام موزون دقيق جدّا، و هو عجيب في وضعه و سنته و قانونه، فإذا كان النهار دائميا، أو أطول من اللازم، فسترتفع الحرارة حتى تحترق الكائنات الحية، و لو كان الليل سرمدا، أو طويلا جدّا لانجمدت الموجودات من شدّة البرد.
و يحتمل في تفسير الآية أنّ لا يكون المراد من اختلاف الليل و النهار تعاقبهما، بل هو إشارة إلى اختلاف المدة و تفاوت الليل و النهار، في فصول السنة، فيعود