الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٢ - عاقبة المؤمنين و الكافرين
الجنّة، أمّا التعبير الثّاني، فإنّه يوحي باحتقار الكفّار الذين خرجوا من ولايته، و عدم الاهتمام بهم.
و استفاد بعض المفسّرين من جملة: وَ النَّارُ مَثْوىً لَهُمْ- أي محلهم النّار- أنّهم الآن في النّار، لأنّ الجملة ليست بصيغة الفعل المضارع و المستقبل، و إنّما هي تخبر عن الحال.
و الحقيقة كذلك، لأنّ أعمال هؤلاء و أفكارهم نار بحد ذاتها، و هم مبتلون بها، و قد أحاطت بهم جهنّم من كلّ مكان، و إن كان هؤلاء الذين هم كالأنعام في غفلة، كما نقرأ ذلك في الآية (٤٩) من سورة التوبة: وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ.
و في بعض آيات القرآن الأخرى شبّه أصحاب النّار بالأنعام، بل هم أضلّ منها:
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [١]، و قد أوردنا في ذيل هذه الآية شرحا مفصّلا.
و من أجل إكمال هذا الهدف تقارن الآية التالية بين مشركي مكّة و عبدة الأوثان الماضين، و بعبارة أوضح، فإنّها تهدّدهم تهديدا شديدا، و تؤكّد ضمنيا على بعض جرائمهم الشنيعة التي تدلّ على جواز قتالهم فتقول: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ.
فلا يظنّ هؤلاء أنّ الدنيا مستوسقة لهم إلى درجة أنّهم اجترؤوا على إخراج أشرف رسل اللّه من أقدس المدن، فإنّ الأمر لا يدوم كذلك، فهم بالقياس إلى قوم عاد و ثمود و الفراعنة، و جيش أبرهة موجودات ضعيفة عاجزة، و اللّه قادر على تدميرهم بكلّ سهولة، و القضاء عليهم يسير على اللّه سبحانه.
و
جاء في رواية عن ابن عباس: إنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا خرج من مكّة إلى غار ثور، توجّه إلى مكّة و قال: «أنت أحبّ البلاد إلى اللّه، و أنت أحبّ البلاد إليّ، و لو لا المشركون أهلك أخرجوني لما خرجت منك»
، فنزلت الآية أعلاه تبشّر النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم
[١]- الأعراف، الآية ١٧٩.