الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٤ - ليسوا سواء محياهم و مماتهم
عبادة أحبار اليهود، فيقول القرآن- مثلا- في الآية (٦٠) من سورة يس: أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ.
و يقول في الآية (٣١) من سورة التوبة: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ.
و
جاء في حديث عن الإمامين الباقر و الصادق عليهما السلام أنهما قالا: «أما و اللّه ما صاموا لهم، و لا صلوا، و لكنّهم أحلوا لهم حراما و حرموا عليهم حلالا، فاتبعوهم، و عبدوهم من حيث لا يشعرون» [١].
غير أنّ بعض المفسّرين يعتبر هذا التعبير إشارة إلى الوثنيين من قريش، الذين إذا ما عشقوا شيئا و أحبوه صنعوا على صورته صنما ثمّ عبدوه و عظموه، و كلما رأوا شيئا آخر أعجبهم أكثر من صنمهم أعرضوا عن الأوّل و توجهوا إلى عبادة الثّاني، و على هذا فإنّ إلههم كان الشيء الذي ترتضيه أنفسهم و تهواه [٢].
إلّا أنّ تعبير: مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أكثر انسجاما مع التّفسير الأوّل.
أما في مورد جملة: أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ فالتّفسير المعروف هو أنّ اللّه سبحانه قد أضلهم لعلمه بأنّهم لا يستحقون الهداية، و هو إشارة إلى أنّ هؤلاء قد أطفأوا بأيديهم كلّ مصابيح الهداية و حطموها، و أغلقوا في وجوههم كلّ سبل النجاة، و دمروا وراءهم جسور العودة إلى طريق الحق، فعند ذلك سلبهم اللّه تعالى رحمته و لطفه، و أفقدهم القدرة على تشخيص الصالح من الطالح، و تركهم في ظلمات لا يبصرون، و كأنّما ختم على قلبهم و سمعهم، و جعل على أبصارهم غشاوة.
و ما كلّ ذلك في الحقيقة إلّا آثار لما اختط هؤلاء لأنفسهم من مسير، و نتيجة مشؤومة لعبادة الآلهة التي اتخذوها.
و لا صنم في الحقيقة أخطر من إتباع هوى النفس الذي يوصد كلّ أبواب
[١]- نور الثقلين، المجلد ٢، صفحة ٢٠٩.
[٢]- تفسير الدر المنثور، المجلد ٦، صفحة ٣٥.