الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٣ - ليسوا سواء محياهم و مماتهم
أمّا الآية التالية فإنّه في الحقيقة تفسير لسابقتها و تعليل لها، إذ تقول: وَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ، فكل العالم يوحي بأنّ خالقه قد خلقه و جعله يقوم على محور الحق، و أن يحكم العدل و الحق كلّ مكان، و إذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يجعل اللّه الذين آمنوا و عملوا الصالحات كالمجرمين الكافرين، فيكون هذا الأمر استثناء من قانون الخلقة؟
من الطبيعي أنّه يجب أن يتمتع أولئك الذين يتحركون حركة تنسجم مع قانون الحق و العدالة هذا، و لا يحيدون عنه ببركات عالم الوجود و ينعمون بألطاف اللّه سبحانه، كما يجب أن يكون أولئك الذين يسيرون عكس هذا الطريق و يخالفون القانون طعمة للنّار المحرقة، و محطا لغضب اللّه عزّ و جلّ، و هذا ما تقتضيه العدالة.
و من هنا يتّضح أنّ العدالة لا تعني المساواة، بل العدالة أن يحصل كلّ فرد على ما يناسبه من المواهب و النعم حسب مؤهلاته و قابلياته.
و كذلك فإنّ الآية الأخيرة من هذه الآيات توضيح و تعليل آخر لعدم المساواة بين الكافرين و المؤمنين، إذ تقول: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَ أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَ خَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ.
و هنا سؤال يطرح نفسه، و هو: كيف يمكن أن يتخذ الإنسان إلهه هواه؟
غير أنّ من الواضح الجلي أنّ الإنسان عند ما يضرب صفحا عن أوامر اللّه سبحانه، و يتبع ما تمليه عليه شهواته، و يقدم طاعتها على طاعة اللّه سبحانه و يعتبر ذلك حقّا، فقد عبد هواه، و هذا عين معنى العبادة، إذ أنّ أحد المعاني المعروفة للعبادة هو الطاعة.
و قد ورد في القرآن الكريم الكثير ممّا يبيّن هذا المعنى كعبادة الشيطان أو
إلّا أن ظاهر الآية هو ما ذكرناه أعلاه.