الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٣ - ويل لكلّ أفاك أثيم
نعم، بشّر كلّ أولئك بالعذاب الأليم.
و لما كان العذاب لا ينسجم مع البشارة، فإنّ هذا التعبير ورد من باب السخرية و الاستهزاء.
ثمّ تضيف الآية التي بعدها: وَ إِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً [١].
في الحقيقة، توجد لدى هؤلاء الجاهلين الأنانيين حالتان:
الأولى: أنّهم غالبا ما يسمعون آيات اللّه فلا يعبؤون بها، و يمرون عليها دون اهتمام و تعظيم، فكأنّهم لم يسمعوها أيضا.
و الأخرى: أنّهم إذا سمعوها و أرادوا أن يهتموا بها، فليس لهم من رد فعل إزاءها إلّا الاستهزاء و السخرية. و كلهم مشتركون في هاتين الحالتين، فمرّة هذه، و أخرى تلك، و بناء على هذا فلا تعارض بين هذه الآية و التي قبلها.
و الطريف أنّها تقول أوّلا: وَ إِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً ثمّ لا تقول: إنّه يستهزئ فيما بعد بما علم، بل تقول: إنّه يتخذ كلّ آياتنا هزوا، سواء التي علمها و التي لم يعلمها، و غاية الجهل أن ينكر الإنسان شيئا أو يستهزئ به و هو لم يفهمه أصلا، و هذا خير دليل على عناد أولئك و تعصبهم.
ثمّ تصف الآية عقاب هؤلاء في النهاية فتقول: أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ و لم لا يكون الأمر كذلك، فإنّ هؤلاء كانوا يريدون أن يضفوا على أنفسهم الهيبة و العزة و المكانة الاجتماعية من خلال الاستهزاء بآيات اللّه سبحانه، إلّا أنّ اللّه تعالى سيجعل عقابهم تحقيرهم و مذلتهم و هوانهم، و يبتليهم بعذاب القيامة المهين المذل، فيسبحون على وجوههم مصفّدين مكبّلين ثمّ يرمون على تلك الحال في جهنم، و يلاحقهم مع ذلك تقريع ملائكة العذاب و سخريتهم.
و من هنا يتّضح لماذا وصف العذاب بالأليم في الآية السابقة، و بالمهين هنا،
[١]- ينبغي الالتفات إلى أنّ ضمير (اتخذها) لا يعود على (شيئا)، بل على (آياتنا).