الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣ - ذكر اللَّه عند الانتفاع بالنعم
رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [١].
و هو سبحانه يأمرنا في هذه الآيات أن نشكر نعم اللَّه تعالى، و أن نسبّح اللَّه عزّ و جلّ عند الإستواء على ظهورها.
فإذا تحوّل ذكر المنعم الحقيقي عند كلّ نعمة ينعم بها إلى طبع و ملكة في الإنسان، فسوف لا يغرق في ظلمة الغفلة، و لا يسقط في هاوية الغرور، بل إنّ المواهب و النعم الماديّة ستكون له سلّما إلى اللَّه سبحانه! و
قد ورد في سيرة الرّسول الأعظم صلى اللَّه عليه و آله و سلّم أنّه ما وضع رجله في الركاب إلّا و قال: «الحمد للَّه»، و إذا ما استوى على ظهر الدابّة فإنّه يقول: الحمد لله على كل حال، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ [٢].
و
جاء في حديث آخر عن الإمام الحسن المجتبى عليه السّلام أنّه رأى رجلا ركب دابّة فقال: سبحان الذي سخّر لنا هذا، فقال له: «ما بهذا أمرت، أمرت أن تقول: «الحمد للَّه الذي هدانا للإسلام، الحمد للَّه الذي منّ علينا بمحمّد، و الحمد للَّه الذي جعلنا من خير أمّة أخرجت للناس، ثمّ تقول: سبحان الذي سخّر لنا هذا» [٣]،
إشارة إلى أنّ الآية لم تأمر بأن يقال: سبحان الذي سخّر لنا هذا، بل أمرت أوّلا بذكر نعم اللَّه العظيمة: نعمة الهداية إلى الإسلام، نعمة نبوّة النّبي صلى اللَّه عليه و آله و سلّم، نعمة جعلناه في زمرة خير أمّة، ثمّ تسبيح اللَّه على تسخيره لما نركب! و ممّا يستحقّ الانتباه أنّه يستفاد من الرّوايات أنّ من قال عند ركوبه: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ فسوف لن يصاب بأذى بأمر اللَّه! و قد روي هذا المطلب في حديث في الكافي عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام [٤].
و نكتشف من خلال ذلك البون الشاسع بين تعليمات الإسلام البنّاءة هذه، و بين
[١]- المؤمنون، الآية ٢٩.
[٢]- تفسير الفخر الرازي، المجلد ٢٧، صفحة ١٩٩.
[٣]- المصدر السابق.
[٤]- نور الثقلين، المجلد ٤، صفحة ٥٩٣.