الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٦ - آيات اللّه في كلّ مكان
غير أنّ علامات التوحيد هذه، و عظمة اللّه تعالى إنّما يلتفت إليها و ينتفع بها المؤمنون، أي طلاب الحق و السائرون في طريق اللّه، أمّا عمي القلوب المغرورون المغفلون، فهم محرومون من إدراكها و الإحساس بها.
ثمّ انتقلت السورة من آيات الآفاق إلى آيات الأنفس، فقالت: وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ ما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.
كما ورد في العبارة المعروفة و المنسوبة إلى أمير المؤمنين علي عليه السّلام: «أ تحسب انّك جرم صغير، و فيك انطوى العالم الأكبر»، و كلّ ما هو موجود في ذلك العالم الكبير يوجد منه نموذج مصغر في داخل جسم الإنسان و روحه.
إنّ خصاله و صفاته مركبة من خصال الكائنات الحية و صفاتها، و تنوع خلقته عصارة مجموعة من حوادث هذا العالم الكبير.
إنّ بناء خلية من خلاياه كبناء مدينة صناعية عظيمة مليئة بالأسرار، و خلق شعرة منه- بخصائصها و أسرارها المختلفة التي اكتشفت بقدرة العلم و تطوره- آية عظيمة من آيات اللّه العظيم.
إنّ وجود آلاف الكيلو مترات من العروق و الشرايين و الأوردة الكبيرة و الصغيرة، و الأوعية الدموية الصغيرة جدّا و الشعيرات المتناهية في الصغر في بدن الإنسان، و آلاف الكيلومترات من طرق المواصلات و أسلاك الاتصالات في سلسلة الأعصاب، و كيفية ارتباطها و اتصالها بمركز القيادة في المخ، و الذي هو مزيج فذّ من العقد و الأسرار، و قوي في الوقت نفسه، و كذلك طريقة عمل كلّ جهاز من أجهزة البدن الداخلية و انسجامها العجيب في مواجهة الأحداث المفاجئة، و الدفاع المستميت للقوى المحافظة على البدن ضد هجوم العوامل الخارجية ... كلّ واحد من هذه الأمور يشكل- بحد ذاته- آية عظمى من آيات اللّه سبحانه.
و إذا تجاوزنا الإنسان، فإنّ مئات الآلاف من أنواع الكائنات الحية، ابتداء من الحيوانات المجهرية و حتى الحيوانات العملاقة، بخصائصها و بناء أجهزتها