الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٧ - التّفسير
و المراد من «الأمر» هنا هو دين الحق الذي مرّت الإشارة إليه في الآية السابقة أيضا، حيث قالت: بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ.
و لما كان هذا المسير مسير النجاة و النصر، فإنّ اللّه سبحانه يأمر النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم بعد ذلك أنّ فَاتَّبِعْها.
و كذلك لما كانت النقطة المقابلة ليس إلّا اتباع أهواء الجاهلين و رغباتهم، فإنّ الآية تضيف في النهاية: وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ.
في الحقيقة، لا يوجد إلّا طريقان: طريق الأنبياء و الوحي، و طريق أهواء الجاهلين و ميولهم، فإذا ولّى الإنسان دبره للأوّل فسيقع في الثّاني، و إذا توجه الإنسان إلى ذلك السبيل فسينفصل عن خط الأنبياء و يبتعد عنهم، و بذلك فإنّ القرآن أبطل كلّ البرامج الإصلاحية التي لا تستمد تعليماتها من مصدر الوحي الإلهي.
و الجدير بالانتباه أنّ بعض المفسّرين قالوا: إنّ رؤساء قريش أتوا النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم و قالوا: ارجع إلى دين آبائك، فإنّهم كانوا أفضل منك و أسلم. و كان النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم لا يزال في مكّة، فنزلت الآية أعلاه [١] و أجابتهم بأن طريق الوصول إلى الحق هو الوحي السماوي الذي نزل عليك، لا ما يمليه هوى هؤلاء الجاهلين و رغبتهم.
لقد كان القادة المخلصون يواجهون دائما وساوس الجاهلين هذه عند ما يأتون بدين جديد و يطرحون أفكارا بناءة طاهرة، فقد كان الجهال يطرحون عليهم: أ أنتم أعلم أم الآباء السابقون و العظماء الذين جاؤوا قبلكم؟ و كانوا يصرون على الاستمرار في ذلك الطريق، و إذا كان مثل هذا الاقتراح يمكن أن ينزل إلى حيز التطبيق و الواقع العملي، فليس بوسع الإنسان أن يخطو خطوة في طريق التكامل.
و تعتبر الآية التالية تبيانا لعلة النهي عن الاستسلام أمام مقترحات المشركين و قبول طلباتهم، فتقول: إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً فإذا ما اتبعت دينهم
[١]- التفسير الكبير للفخر الرازي، المجلد ٢٧، صفحة ٢٦٥.