الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٦ - الذين غالوا في المسيح
سورة النحل: وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.
و قد جاء هذا المعنى في الآيات، ٥٥- آل عمران، ٤٨- المائدة، ١٦٤- الأنعام، ٦٩- الحج، و غيرها [١].
و تضيف الآية في النهاية: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ.
بعد ذلك، و من أجل أن ترفع كل نوع من الإبهام في مسألة عبوديته، تقول الآية:
إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ.
الملفت للانتباه تكرار كلمة «الرب» مرّتين في هذه الآية، مرّة في حقّه، و أخرى في حق الناس، ليوضح للناس أنّي و إيّاكم متساوون، و ربّي و ربّكم واحد. و أنا مثلكم محتاج في كل وجودي إلى الخالق المدبر، فهو مالكي و دليلي.
و للتأكيد أكثر يضيف: فَاعْبُدُوهُ إذ لا يستحق العبادة غيره، و لا تليق إلّا به، فهو الرب و الكل مربوبون، و هو المالك و الكل مملوكون.
ثمّ يؤكّد كلامه بجملة أخرى حتى لا تبقى لمتذرع ذريعة، فيقول: هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ [٢].
نعم، إنّ الصراط المستقيم هو طريق العبودية للَّه سبحانه ... ذلك الطريق الذي لا انحراف فيه و لا اعوجاج، كما جاء في الآية (٦١) من سورة يس: وَ أَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ.
لكن العجب أن يختلف أقوام من بعده مع كل هذه التأكيدات: (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ) [٣]:
[١]- قال بعض آخر من المفسّرين: إنّ (بعض) هنا بمعنى الكل، أو أن التعبير ب (بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ) إضافة موصوف إلى الصفة، أو أن هذا التعبير إشارة إلى أنّي أبيّن لكم أمور الدين و حسب، لا اختلافاتكم في أمر الدنيا. إلّا أن أيّا من هذه التفاسير لا يستحق الاهتمام.
[٢]- ورد نظير هذه الآية بتفاوت يسير في سورة مريم- ٣٦، و سورة الأنعام- ٥١، و تكرار هذا المعنى تأكيد على أن عيسى عليه السّلام قد أتمّ الحجة على جميع هؤلاء في مورد عبوديته و كونه عبد اللَّه سبحانه.
[٣]- الضمير في (بينهم) يعود إلى الذين خاطبهم المسيح عليه السّلام في الآية السابقة، و دعاهم إلى عبودية اللَّه سبحانه.