الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٤ - آيات اللّه في كلّ مكان
عمران، و كذلك في الحواميم.
يقول المرحوم الطبرسي في بداية هذه السورة: إنّ أحسن ما يقال هو أنّ (حم) اسم هذه السورة. ثمّ ينقل عن بعض المفسّرين، أنّ تسمية هذه السورة ب (حم) للإشارة إلى أنّ هذا القرآن المعجز بتمامه يتكون من حروف الألف باء.
نعم، إنّ كتاب النور و الهداية و الإرشاد و حل المعضلات و معجزة نبيّ الإسلام صلى اللّه عليه و آله و سلّم الخالدة هذا، يتركب من هذه الحروف البسيطة، و غاية العظمة أن يتكون أمر بهذه الأهمية من هذه الحروف السهلة البسيطة.
و ربّما كان هذا هو السبب في أن تتحدث الآية التالية عن عظمة القرآن مباشرة فتقول: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [١].
«العزيز» هو القوي الذي لا يقهر، و «الحكيم» هو العارف بأسرار كلّ شيء، و تقوم كل أفعاله على أساس الحكمة و الدقة، و من الواضح أنّ الحكمة التامة و القوّة اللامحدودة من لوازم تنزيل مثل هذا الكتاب العظيم، و هما غير موجودتين إلّا في اللّه العزيز المتعال.
و الطريف أنّ هذه الآية قد وردت على هذه الهيئة في بداية أربع سور من القرآن الكريم، ثلاث منها من الحواميم- و هي المؤمن و الجاثية و الأحقاف- و الأخرى من غير الحواميم، و هي سورة الزمر. و هذا التكرار و التأكيد يهدف إلى جلب انتباه الجميع إلى عمق أسرار القرآن و عظمة محتواه، لئلا ينظروا ببساطة و عدم تدبر إلى أية عبارة أو تعبير من تعابيره، و لئلا يظنوا أنّ هذه الكلمة أو تلك لا محل لها و لا فائدة من ذكرها، لكي لا يقنعوا بحدّ معين من فهمه و إدراكه، بل ينبغي أن يكونوا في سعي دؤوب للتوصل إلى أعمق ممّا أدركوه.
[١]- (تنزيل الكتاب) خبر لمبتدأ محذوف، و التقدير: (هذا تنزيل الكتاب)، ثمّ إنّ (تنزيل) مصدر جاء هنا بمعنى اسم المفعول، و هو من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، و تقدير الكلام: هذا كتاب منزل ...