شرح أصول فقه - الجواهري، محمد حسن - الصفحة ٣٦١ - تمهيد
توضيح ذلك: أنّه لا ريب في أنّ المأمور به إطلاقاً وتقييداً يتبع الغرض سعة وضيقاً، فإن كان القيد دخيلاً في الغرض فلا بدّ من بيانه وأخذه في المأمور به قيداً وإلّا فلا، غير أنّ ذلك فيما يُمكن أخذه من القيود في المأمور به كما في التقسيمات الأوليّة.
أمّا ما لا يمكن أخذه في المأمور به قيداً ـ كالذي نحن فيه، وهو قيد قصد الامتثال ـ فلا يصحّ من الآمر أن يتغافل عنه حيث لا يُمكن أخذه قيداً في الكلام الواحد المتضمّن للأمر(١)، بل لا مناصّ له من اتباع طريقة أُخرى ممكنة لاستيفاء غرضه، ولو بإنشاء أمرين، أحدهما يتعلّق بذات الفعل مجرّداً عن القيد، والثاني يتعلّق بالقيد.
مثلاً لو فُرض أنّ غرض المولى قائم بالصلاة المأتي بها بداعي أمرها، فإنّه إذا لم يمكن تقييد المأمور به بذلك في نفس الأمر المتعلّق بها ـ لما عرفت من امتناع التقييد في التقسيمات الثانوية ـ فلا بدّ له ـ أي: الآمر ـ لتحصيل غرضه أن يسلك طريقة أُخرى، كأن يأمر أوّلا بالصلاة ثمّ يأمر ثانياً بإتيانها بداعي أمرها الأوّل مبيّناً ذلك بصريح العبارة.
وهذان
الأمران يكونان في حكم أمر واحد ثبوتاً وسقوطاً؛ لأنّهما ناشئان
ـ
ظاهر عبارة المصنّف ; ـ لا يصار إلى الأصل العملي بمجرّد التعذّر من الإطلاق اللفظي، بل يكون الإطلاق المقامي حدّاً فاصلاً بين الإطلاق اللفظي والأصل العملي، فإذا تعذّر الإطلاق اللفظي يتمّ الرجوع إلى الإطلاق المقامي أوّلاً، فإذا تعذّر الإطلاق المقامي فيرجع حينئذ إلى الأصل العملي.
١) لأنّ المولى حكيم، ولا يصدر من الحكيم ما لا يُليق بحكمته من قبيل التغافل.