شرح أصول فقه - الجواهري، محمد حسن - الصفحة ٧١ - المبحث الثاني من الواضع؟
وقيل ـ وهو الأقرب إلى الصواب ـ : إنّ الطبيعة البشرية حسب القوّة المودعة من الله تعالى فيها تقتضي إفادة مقاصد الإنسان بالألفاظ، فيخترع من عند نفسه لفظاً مخصوصاً عند إرادة معنى مخصوص ـ كما هو المشاهد من الصبيان عند أوّل أمرهم ـ فيتفاهم مع الآخرين الذين يتّصلون به، والآخرون كذلك يخترعون من أنفسهم ألفاظاً لمقاصدهم وتتألّف على مرور الزمن من مجموع ذلك طائفةٌ صغيرة من الألفاظ، حتّى تكون لغة خاصّة لها قواعدها يتفاهم بها قوم من البشر(١) ـ بحسب حاجته الملحّة ـ إلى التواصّل، وهذه الّلغة قد تتشعّب بين أقوام متباعدة وتتطوّر عند كلّ قوم بما يحدث فيها من التغيير والزيادة، حتّى قد تنبثق منها لغات أخرى فيصبح لكلّ جماعة لغتهم الخاصة.
١) القول الثاني، وهو مختار المشهور، وقد نُسب إلى أبي هاشم الجبائي أيضاً: أنّ الواضع ـ أي: مخترع اللغة ـ بالوجدان جماعة من البشر، فإنّ الإنسان ـ بحُكم نمط حياته ـ شخصيّة اجتماعية محتاجة إلى التواصل مع الآخرين، وهذا التواصل يدفعه إلى تفهيم مقاصده للآخرين ومعرفة مقاصدهم، فيتحتّم عليه العثور على وسيلة لتفهيم هذه المقاصد المضمرة، وهذا التفهيم يتصوّر على خمسة طرق:
١ـ إحضار الشيء بنفسه، ولا يخفى ما في هذه الطريقة من مشقّة وعناء، بل هي غير ممكنة بالنسبة الى غير المحسوسات.
٢ـ الإشارة: وهذه الطريقة غير وافية لبعض مقاصد الإنسان من قبيل تفهيم معنى المعقولات الصرفة كامتناع اجتماع النقيضين وأمثال ذلك.