شرح أصول فقه - الجواهري، محمد حسن - الصفحة ٩٧ - الفرق بين هذا القول والقول الأوّل
بل هي متقوّمة بغيرها(١).
والصحيح هذا القول الثالث، ويحتاج إلى توضيح وبيان:
إنّ المعاني الموجودة في الخارج على نحوين:
الأوّل: ما يكون موجوداً في نفسه كـ«زيد» الذي هو من جنس الجوهر، و«قيامه» ـ مثلاً ـ الذي هو من جنس العرض، فإنّ كلاً منهما موجود في نفسه، والفرق أنّ الجوهر موجود في نفسه لنفسه، والعرض موجود في نفسه لغيره.
ـ
الواضع وضع لفظ »الابتداء« وكلمة »من« لمعنى الابتداء المستقلّ، ثمّ
بعد إتمام عمليّة الوضع اشترط ـ أو كانت غايته من الوضع ـ استعمال اسم «الابتداء»
بشكل مستقلّ واستعمال حرف «من» للابتداء بشكل غير مستقلّ، فيكون الاستقلال
في الاسم وعدم الاستقلال في الحرف أمراً خارجاً عن معناهما، وينتج عن هذا تصوّر
الواضع المعنى بشكل عامّ؛ لأنّه تصوّر الابتداء المستقلّ، ثمّ وضع الحرف لذلك
المعنى العامّ، ويسمّى هذا بالاصطلاح «الوضع عامّ والموضوع له عامّ»، وهذا بخلاف
القول الآخر، فإنّ صاحب هذا القول فرض أنّ الواضع وضع الحرف لمعنى غير مستقلّ في
بادئ الأمر، فيكون الموضوع له خاصّاً لا عامّاً، ويُسمّى هذا بالاصطلاح «الوضع
عامّ والموضوع له خاصّ» وسيأتي زيادة إيضاح هذا الأمر قريباً إن شاء الله تعالى.
١) فيتوقّف قوام معنى الابتداء واستقامته في مثال: «سرت من الدار» على وجود «السير» و«الدار» بحيث لو لم يوجد هذان الركنان أو أحدهما لما دلّ حرف «من» على معنى الابتداء أصلاً، وهذا هو المراد من عدم الاستقلاليّة في معنى الحرف.