شرح أصول فقه - الجواهري، محمد حسن - الصفحة ١٠٢ - الفرق بين هذا القول والقول الأوّل
حقيقة له إلّا التعلّق بالطرفين(١).
ثمّ إنّ
الإنسان في مقام إفادة مقاصده كما يحتاج إلى التعبير عن المعاني المستقلّة كذلك
يحتاج إلى التعبير عن المعاني غير المستقلّة في ذاتها، فحكمة الوضع تقتضي أن تُوضع
بإزاء كلّ من القسمين ألفاظ خاصّة، والموضوع
ـ
الأخرى؛ لأنّ الوجود المستقلّ لا يكون نسبة ورابطاً بين وجودين مستقلّين، ومعنى هذا لزوم التسلسل، والتسلسل باطل، فيتبيّن بأنّ النسبة وجودها ليس مستقلّاً، بل هو وجود غير مستقلّ يحصل ضمن الغير.
فتكون الجملة متكوّنة من وجودين مستقلّين وهما «السير» و«الدار»، ووجود غير مستقلّ يربط بين هذين الوجودين المستقلّين وهو وجود حرف «من»، وبهذا الربط يظهر لنا معنى «من» وهو الابتداء الجزئي الرابط بين «السير» و«الدار».
١) كحد أدنى، وإلّا فالربط قد
يكون بين عدّة أطراف كما سيأتي في مثال النزح والبئر الذي سيذكره المصنّف ;
قريباً، ويتحتّم وجود هذا الحدّ الأدنى ليتمّ الربط بين الموضوع والمحمول في
الجملة، فلا بدّ من وجود «السير» ووجود «الدار» ليتمّ الربط بينهما بحرف «من»،
وإلّا فإن فُقد أحد
هذين الركنين فلا يكون معنى للربط أصلاً؛ لأنّه لو وُجد «السير» ولم توجد «الدار»
فلا تكون هناك نسبة تُثبت أنّ السير كان من الدار، وإن فُقد «السير» فلا نسبة
أصلاً، إذ لم يتحقّق «سير» حتّى يُنسب إلى مكان ما، وعليه فيكون وجود النسبة
متوقّفاً على وجود طرفيها معاً كأقلّ حدّ تحقّق الربط.