منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٩٣ - المعنى
و يحتمل رجوع ضمير رغبتهم إلى الخلق و إليهم و إلى الملائكة على سبيل التنازع.
(لا يقطعون أمد غاية عبادته) أراد أنّه لا يمكنهم الوصول إلى منتهى نهاية عبادته الذي هو عبارة عن كمال معرفته، و ذلك لكون مراتب العرفان و درجاته غير متناهية فلا يمكنهم قطعها (و لا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته إلّا إلى موادّ من قلوبهم غير منقطعة من رجائه و مخافته) أى لا يرجعهم الولع بلزوم طاعته سبحانه إلّا إلى موادّ ناشئة من قلوبهم غير منقطعة و هذه الموادّ هو رجائه و مخافته الباعثان لهم على لزوم طاعته، و الغرض إثبات دوام خوفهم و رجائهم الموجبين لعدم انفكاكهم عن الطاعة بل لزيادتها كما يشعر به لفظ الموادّ.
قال الشّارح البحراني: لما كانوا غرقى فى محبّته عالمين بكمال عظمته و أنّ ما يرجونه من جوده أشرف المطالب و أربح المكاسب و ما يخشى من انقطاع جوده و نزول حرمانه أعظم المهالك و المعاطب، لا جرم دام رجائهم له و خضوعهم في رقّ الحاجة إليه و الفزع من حرمانه، و كان ذلك الخوف و الرّجاء هو مادّة استهتارهم بلزوم طاعته التي يرجعون إليها من قلوبهم فلم ينقطع استهتارهم بلزومها.
(لم تنقطع أسباب الشفقّة منهم فينوا في جدّهم) أى لم تنقطع أسباب الخوف منهم فيفتروا في الجدّ في العبادة و أسباب الخوف هي حاجتهم إليه سبحانه و افتقارهم إلى إفاضته وجوده، فانّ الحاجة الضّرورية إلى الغير في مطلوب يستلزم الخوف منه في عدم قضائه و يوجب الاقبال على الاستعداد بجوده بلزوم طاعته و القيام بوظايف عبادته.
(و لم يأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السّعى على اجتهادهم) أى لم تجعلهم الأطماع اسراء و ليسوا مأسورين في ربقة الطمع حتّى يختاروا السّعى القريب في تحصيل المطموع من الدّنيا الفانية على اجتهادهم الطويل في تحصيل السّعادة الباقية كما هو شأن البشر، و ذلك لكون الملائكة منزّهين عن الشهوات و ما يلزمها من الاطماع الكاذبة.