منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٧٧ - المعنى
لا يتجاوز السطرين أو الثلاثة إما في موعظة تتضمّن ذكر الموت أو ذمّ الدّنيا و ما يتعلّق بحرب و قتال من ترغيب أو ترهيب.
فأمّا الكلام في الملائكة و صفاتها و عبادتها و تسبيحها و معرفتها بخالقها و حبّها له و ولهها إليه و ما جرى مجرى ذلك ممّا تضمّنه هذا الفصل بطوله فانّه لم يكن معروفا عندهم على هذا التّفصيل، نعم ربّما علموه جملة غير مقسّمة هذا التقسيم و لا مرتّبة هذا الترتيب بما سمعوه من ذكر الملائكة في القرآن العظيم، فثبت أنّ هذه الامور الدقيقة مثل هذه العبارة الفصيحة لم تحصل إلّا لعليّ ٧ وحده، و اقسم أنّ هذا الكلام إذا تأمّله اللّبيب اقشعرّ جلده و رجف قلبه و استشعر عظمة اللَّه العظيم في روعه و خلده و هام نحوه و غلب الوجد عليه و كاد أن يخرج من مسكه شوقا و أن يفارق هيكله صبابة و وجدا.
إذا عرفت ذلك فلنعد إلى شرح كلامه ٧ فأقول: قال ٧ (ثمّ خلق سبحانه لإمكان سماواته و عمارة الصّفيح الأعلى من ملكوته خلقا بديعا من ملائكته) ظاهر كلمة ثمّ المفيد للترتيب الحقيقي كون خلق الملائكة بعد خلقة السّماوات، و يدلّ عليه أخبار كثيرة إلّا أنّ في بعض الرّوايات سبق خلقة الملائكة على خلقة السّماوات، و يمكن الجمع بالتخصيص ههنا بسكان السّماوات الذين لا يفارقونها، و المراد بالصفيح الأعلى سطح كلّ سماء، و يقابله الصفيح الأسفل الذى هو الأرض، و يظهر من ذلك عدم تلاصق السّماوات على ما ذهبت إليه الفلاسفة من غير دليل يعتمد عليه.
و أمّا ما في شرح البحراني من أنّه يحتمل أن يشير ٧ بالصّفيح الأعلى إلى الفلك التاسع و هو العرش لكونه أعظم الأجرام و أعلاها و سكانه الملائكة المدبّرون له، فمبنىّ على اصول الفلاسفة مخالف للأخبار و كلام أهل اللغة حسبما عرفت آنفا في ترجمة لفظ الصفيح، و مخالف أيضا لظاهر قوله ٧ (فملأ بهم فروج فجاجها و حشابهم فتوق أجوائها) إذ المستفاد من ذلك أنّ ما بين السّماوات مملوّة بهم فيكون السّطوح المحدّبة منها محلّ إسكان الملائكة و مكان عبادتهم للّه سبحانه