منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٩٣ - المعنى
وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها.
تقريب الاستدلال ما ذكره الفخر الرّازي في التفسير الكبير حيث قال: تعلّق أصحابنا بهذه الآية في إثبات أنّ الرّزق قد يكون حراما قالوا: لأنّه ثبت أنّ إيصال الرّزق إلى كلّ حيوان واجب على اللَّه تعالى بحسب الوعد و بحسب الاستحقاق، و اللَّه تعالى لا يخلّ بالواجب، ثمّ قد نرى انسانا لا يأكل من الحلال طول عمره فلو لم يكن الحرام رزقا لكان اللَّه تعالى ما أوصل رزقه إليه فيكون تعالى قد أخلّ بالواجب و ذلك محال، فعلمنا أنّ الحرام قد يكون رزقا.
و اجيب عن الأوّل تارة بالطّعن في السّند، و أخرى بأنّه على تقدير صحّته لا بدّ من تأويله بأنّ إطلاق الرّزق على الحرام فيه لمشاكلة قوله فلا أراني ارزق، على حدّ قوله: و مكروا و مكر اللَّه، و باب المشاكلة و إن كان نوعا من المجاز لكنه واسع كثير الورود في الكتاب و السنة معروف الاستعمال في نظم البلغاء و نثرهم فلا بدّ من المصير إليه جمعا بين الأدلّة.
و عن الثّاني بمنع وجود مادّة النقض إذ لا نسلّم وجود حيوان لا يرزق إلّا بالحرام مدّة عمره، أمّا غير الانسان فواضح إذ لا يتصوّر بالنّسبة إليه حلّ و لا حرمة.
أمّا الانسان فلأنّه في أيّام الصّبا و عدم التّكليف لا يتّصف ما يأكله بالحرمة كعدم اتصافه بالاباحة، بل هو كالحيوان في عدم اتصاف أفعاله بشيء من الأحكام الخمسة.
و أمّا بعد البلوغ فلأنّه بعد ما كان الرّزق أعمّ من الغذاء باتفاق المعتزلة و الأشاعرة يشمل التنفّس في الهوا و معلوم أنه مباح في حقّه قطعا فلم يوجد حيوان لا يرزق إلّا بالحرام طول عمره، و يوضحه أنّه لو مات انسان قبل أن يأكل شيئا حلالا أو حراما لزم أن يكون غير مرزوق فما هو جواب الأشاعرة فهو جوابنا.