منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٦٠ - الخامس
إلى ذلك و لا تجد لذّة لذلك فأنت في ذلك معذور لأنّك في يد هواك مغمور مقهور و الصّبي لا يعرف لذّة الملك و السّلطنة، و إنّما لذّته في اللّهو و اللّعبة، فانّ هذه لذّة يختص بإدراكها الرّجال دون الصّبيان و الأطفال، و المعرفة مختصّة بأهل الكمال و هم الّذين لا غرض لهم إلّا اللَّه و هم رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
و لا يشتاق إلى هذه اللّذة غيرهم، لأنّ الشّوق بعد الذّوق، و من لم يذق لم يعرف و من لم يعرف لم يشتق، و من لم يشتق لم يطلب، و من لم يطلب لم يدرك، و من لم يدرك بقى مع المحرومين في أسفل السّافلين.
وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ.
الخامس
في معالجة الحسد الّذي هو من موبقات الذّنوب و من الأمراض العظيمة للقلوب، و الدّواء النّافع له هو أن تعرف أنّه مضرّ عليك في الدّنيا و الدّين و غير مضرّ بالمحسود في الدّنيا و الدّين، بل نافع له فيهما، و مهما عرفت هذا عن بصيرة و كنت صديقا لنفسك شفيقا لها و لم تكن عدوّا و مبغضا لها فارقت الحسد لا محالة.
أمّا كونه مضرّا عليك في الدّين فلما مرّ في الأخبار السّابقة من كونه سببا لسخط الجبّار و آكلا للايمان أكل الحطب للنّار، بل الحاسد في الحقيقة ساخط لقضاء اللَّه و غضبان على قدر اللَّه كاره للنّعم الّتي قسّمت بين عباد اللَّه، و حسده في الحقيقة اعتراض على الخالق فيما منحه على الخلايق و ايراد على الحكمة و جناية على حدقة التّوحيد، و فيه متابعة الشّيطان اللّعين و أوليائه من الكفّار و المنافقين حيث إنّه حسد و قال:
أ أسْجُدُ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ طينٍ فَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ