منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٥٩ - الرابع
بحر المعرفة و عدم الضّيق فيه، بل المعلوم الواحد يعلمه ألف ألف عالم و يفرح بمعرفته و يلتذّ به و لا ينتقص لذّة أحدهم بسبب غيره، بل يحصل بكثرة العارفين ثمرة الافادة و الاستفادة و الانس و الصّحبة، و غرضهم إنّما هو تحصيل المنزلة عند اللّه و الزّلفى لديه و ما عند اللّه أعظم من أن يضيق على الطّالبين و لا يسع الرّاغبين، إذ البحر لا ينفد بالقطر، و الشّمس لا ينقص بالذّر، و ليس كمال الدّنيا إذا وقع في يد أحد خلت عنه يد الآخر أو كجاهها إذا اتّصف به شخص حرم عنه غيره، إذا لجأه عبارة عن ملك القلوب و مهما امتلاء قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر أو نقص عنه لا محالة فيكون سببا للمحاسدة.
و بالجملة فنعمة العارف و جنّته معرفته الّتي هي صفة ذاته، و هو دائما يجنى ثمارها و يغتذي بفواكهها، و هي فاكهة غير مقطوعة و لا ممنوعة بل قطوفها دانية و إن غمض العين الظاهرة فروحه ترتع كلّ الأوقات في جنّة عالية و رياض زاهرة و كثرتهم لا يوجب تحاسدهم بل كانوا كما قال ربّ العالمين:
وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ و هذا حالهم و هم في الدّنيا فما ظنّك بهم إذا انكشف عنهم الغطاء و شاهدوا المحبوب في العقبى فأهل العرفان و اليقين برآء من الحسد في الدّنيا و الآخرة جميعا، بل الحسد من صفات المبعدين عن سعة علّيين إلى ضيق سجّين، و لذلك و سم به الشّيطان اللّعين، حيث أظهر الحسد و البغضاء لما رأى اختصاص آدم بالخلافة و الاحتباء و لمّا دعى إلى السجود استكبر و أبى، و تمرّد و عصى، فاستحقّ الجحيم و قيل له:
فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ.
و إذا عرفت أنّ منشأ الحسد هو التّوارد على مقصود يضيق عن الوفاء لمن ابتغى فعليك بمقصد لا تزاحم فيه أصلا و لذّة لانفاد لها و نعمة لا زحمة فيها و لا يوجد ذلك في الدّنيا إلّا في معرفة الحقّ تعالى و معرفة صفاته العلياء و إن لم تكن تشتاق.