منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٥٧ - الثالث فى اسباب الحسد
ثناء النّاس له و فرحه بتفرّده بها، فاذا رأى مشاركا له فيها سائه ذلك، و هو غالب في العلماء السّوء فانّهم يحبّون أن يكونوا مرجعا للنّاس و ملجئا، و يكون تردّدهم إليهم و لا يرضون بمشاركة الغير لهم.
و من هذا الباب كان حسد علماء اليهود لرسول اللّه ٦، فانّهم كانوا ينكرون معرفته و لا يؤمنون به خيفة من أن تبطل رياستهم و استتباعهم مهما نسخ علمهم.
و منه أيضا كان حسد الخلفاء الثلاثة لأمير المؤمنين ٧ مضافا إلى العداوة و البغضاء التي كانت فيهم و غير ذلك من الأسباب السابقة، إذ لا امتناع في اجتماع الأسباب المتعدّدة.
و الفرق بين هذا القسم و سابقه اشتراط التّزاحم على المقصود في السّابق دون ذلك، إذ ربّما ترى عالما أو صانعا يختصّ بفنّ مخصوص من العلم أو الصّناعة يمدحه النّاس بأنه فريد دهره و وحيد عصره في ذلك الفنّ أو الصّناعة، فانّه لو سمع في أقصى البلاد بنظير له فيه لساءه ذلك و أحبّ موته أو زوال النّعمة عنه.
و أمّا خبث النّفس فالحسد بذلك خارج عن جميع الأقسام السّابقة، فانّك ترى من النّاس من ليس غرضه في رياسة و لا تعزّز و لا تكبّر إذا وصف عنده حال عبد من عباد اللّه فيما أنعم اللّه به عليه يشقّ عليه ذلك و إذا وصف له اضطراب أمور النّاس و إدبارهم يفرح بذلك، فهو دائما يحبّ الادبار لغيره و يبخل بنعم اللّه على عباده كانّهم يأخذونها من ملكه و خزانته، و ليس لذلك سبب ظاهر إلّا خبث النّفس و شقائها و رذالة الطبع و دنائته و معالجته شديدة إذ الحسد الثابت بساير الأسباب أسبابه عارضة يتصوّر زوالها و يرجى إزالته، و هذا ناش من خبث الطّينة و سوء السريرة فيعسر زواله و إلى ذلك ينظر ما قيل.
|
كلّ العداوة قد ترجى إماطتها[١] |
إلّا عداوة من عاداك من حسد |
|
و هذه هي أسباب الحسد و قد يجتمع بعضها أو أكثرها أو جميعها في شخص فيشتدّ حسده و يتضاعف، و أكثر المحاسدات تجتمع فيها جملة من هذه الأسباب و قلّما
[١] ( ١) الاماطة الابعاد.