منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٢٧ - المعنى
و يتّحد هناك المدرك و الادراك و لا يتعدّدان إلّا بالاعتبار العقلي و يعايرهما المدرك و أمّا بمعلولاته البعيدة كالمادّيات و المعدومات التي من شأنها إمكان أن توجد في وقت أو تتعلّق بموجود فيكون بارتسام صورها المعقولة من المعلولات القريبة التي هي المدركات لها أوّلا و بالذّات و كذلك ينتهى إلى ادراك المحسوسات بارتسامها في آلات مدركاتها.
قالوا: و ذلك لأنّ الموجود في الحاضر حاضر و المدرك للحاضر مدرك لما يحضر معه فاذا لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في السّموات و لا في الأرض و لا أصغر من ذلك و لا أكبر، لكون ذوات معلولاته القريبة مرتسمة بجميع الصور، و هي التي يعبّر عنها تارة بالكتاب المبين، و تارة باللّوح المحفوظ، و تسمّى عندهم عقولا فعّالة.
هذا ما حقّقه محقّقو الحكماء في كيفيّة علمه سبحانه، إلّا أنّ الكلام بعد في صحّة القول بالارتسام، و قد مضى ما فيها في شرح الفصل السّابع من الخطبة الاولى، و كيف كان فلا ريب في عموم علمه و ان لم نعلم كيفيّة ذلك و لم نعرفه بكنهه (و خبر الضّمائر) اى امتحن القلوب بالخير و الشرّ أو أنّه عالم بالقلوب و بما فيها من الأسرار و خبير بما في الصّدور على الاختلاف المتقدّم في بيان اللّغة قال سبحانه:
أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَ حُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ.
قال بعض المحقّقين: الخبير هو الّذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة فلا يجري في الملك و الملكوت شيء و لا تتحرّك ذرّة و لا تسكن و لا تضطرب نفس و لا تطمئنّ إلّا و يكون عنده خبرة، و هو بمعنى العليم لكنّ العلم إذا اضيف إلى الخفايا الباطنة سمّى خبرة و سمّى صاحبها خبيرا فهو أخصّ من مطلق العلم (له الاحاطة بكلّ شيء) أى علما و حفظا، أو استيلاء و قدرة كما قال تعالى: