منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٢ - المعنى
النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَ اللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ قال الطبرسي: أى اذكر اذ زيّن الشّيطان للمشركين أعمالهم أي أحسنها في نفوسهم و ذلك أنّ إبليس حسّن لقريش مسيرهم إلى بدر لقتال النّبيّ ٦، و قال: لا يغلبكم أحد من النّاس لكثرة عددكم و قوّتكم و إنّى مع ذلك جار لكم أي ناصر لكم و دافع عنكم السّوء، و إنّي عاقد لكم عقد الامان من عدوّكم، فلمّا التقت الفرقتان نكص على عقبيه، أي رجع القهقرى منهرما ورائه، و قال: إنّي بريء منكم، أي رجعت عمّا ضمنت لكم من الأمان و السّلامة لأنى أرى من الملائكة الذين جاءوا لنصر المسلمين ما لا ترون، و كان إبليس يعرف الملائكة و هم كانوا يعرفونه، إنّي أخاف اللّه، أي أخاف عذاب اللّه على أيدى من أراهم، و اللّه شديد العقاب، لا يطاق عقابه و في سورة الحشر:
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ.
أي مثل المنافقين في إغراء اليهود أي بني النّضير للقتال كمثل الشّيطان في إغرائه للانسان، فانّه أبدا يدعو الانسان إلى الكفر ثمّ يتبرّء منه وقت الحاجة مخافة أن يشاركه في العذاب و يقول: إنّي أخاف اللّه رب العالمين، و لا ينفعه ذلك كما قال: فكان عاقبتهما أي الدّاعى و المدعوّ من الشّيطان و من أغواه، أنّهما معذّبان في النّار.
قال ابن عبّاس: إنّ المراد بالانسان في هذه الآية هو عابد بني إسرائيل قال: إنه كان في بنى اسرائيل عابد اسمه برصيصا عبد اللّه زمانا من الدّهر حتّى كان يؤتى بالمجانين يداويهم و يعوّذهم فيبرءون على يده، و أنّه أتي بامرأة في شرف قد جنّت و كان لها اخوة فأتوه بها فكانت عنده فلم يزل به الشّيطان يزيّن له حتّى وقع عليها فحملت، فلمّا