إحياء الأراضي الموات - محمود المظفر - الصفحة ٤٣ - الاتجاه الأول الملكية الخاصة
و بالإقرار بالواقع السائد: قالوا: «إن مسألة ملكية الأرض كانت جارية في الدنيا منذ أزمنة سحيقة، و لكن الإسلام بعد مجيئه لم يمنعها، كما لم يأمر الناس أمرا صريحا بإلغائها، و لم يشرع قاعدة أخرى مكانها فكان معنى ذلك أن اللّه تعالى أقر هذه القاعدة الجارية» [١].
و يكاد هذا الاتجاه القائل بملكية الأرض ملكية خاصة و الذي استدل له بالأدلة المذكورة: يطغى على ما سواه من الاتجاهات الأخرى بل إنه يكاد يبلغ في شهرته [٢] بين الفقهاء و غيرهم من الباحثين حد الإجماع [٣]، و لكنهم في نفس الوقت وقفوا من صفة هذه الملكية الخاصة- عموما في الأرض و غيرها- موقفين مختلفين حيث وصفها بعضهم بالإطلاق [٤]، بينما جعلها آخرون مقيدة بإطار المصلحة العامة و في إطار وظيفتها الاجتماعية كما سنرى:
[١]. المودودى في مسألة ملكية الأرض- ٢٠.
[٢]. و لشهرة هذا الاتجاه أو هذه الفكرة بين الفقهاء لم يستطع بعض الكتاب المحدثين أن يقف على غيرها من الاتجاهات التي تعوزها الشهرة و يعوز قائليها الجرأة. حيث نسب ذلك إلى الإسلام كأنه شيء مفروع منه، بل إنه لم يكتف بذلك و إنما عالج الموضوع بصورة غير مهذبة فقال: «أما ما يرتئيه البعض من أن النبي كان ينوي إلغاء ملكية الأراضي و جعلها مشاعة أي ملكا للجماعة أو الأمة فهذا سوء فهم لا يؤبه به لأن هذه الأفكار المتطرفة لم تكن تخطر على بال النبي حتى في الدور الأول من حياته الاجتماعية لا سيما و أن مشكلة الأراضي لم تكن في ذلك الوقت و في ذلك الوسط من المشاكل المهمة» (بندلى جوزي، من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام- ٤٦). و يبدو أن هذا الباحث المحترم تصور أن التشريعات الإسلامية هي من باب الخطور على الذهن- ذهن الرسول- و ليس من باب الوحي أو التنزيل، و أن ما جاء به النبي من تعليمات و أحكام كان من وحي المشاكل و الشئون التي تهم مجتمعة و إقليمه و زمانه ليس إلا.
[٣]. راجع النصوص التي نقلها (السائس في مجموعة المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية ٢١٦- ٢٢٥) و التي تمثل في نظره آراء فقهاء المذاهب الأربعة بشأن ثبوت ملكية الأرض و منافعها للأفراد.
[٤]. إن وصف الملكية بالإطلاق تارة و بالتقييد أخرى هو في الحقيقة أمر نسبي، لأنه ليس هناك واحد من الفقهاء بما فيهم القائلون بالإطلاق من ينكر وجود بعض القيود على تصرفات المالك كما في الشفعة و نحوها، و لكن فيهم المقتصد و فيهم المسرف، و عليه فالإطلاق و التقييد هما أمران نسبيان في هذا المجال.