إحياء الأراضي الموات - محمود المظفر - الصفحة ٢٩ - ١- ملكية اللّه للأرض
الأراضي التي هي حق أو مجرد للّه تعالى لا بد أن يعود أمر التصرف فيها و استغلالها إلى الأباطرة و الملوك المفوضين بتلك السلطة و التي نشأت منها فكره (التفويض الإلهي) المعروفة.
و لذلك فقد استغل هؤلاء الملوك و الأباطرة تلك الفكرة من الأرض- التي كان لهم ضلع كبير في نشوئها- حقبة من الزمن، حتى أصبحت الأراضي في معظم الممالك و الأقاليم القديمة ملكا لهم [١]، و ليس للأفراد العاملين و الكادحين فيها سوى حق الانتفاع. و من ذلك ما قيل [٢]: إن ملك الفراعنة كان متملكا لكل جزء من الأراضي التي تقع تحت نفوذه و سلطانه، و إن مصر في ذلك العهد- عهد الفراعنة كانت مقسمة إلى مقاطعات Nomes لا يزيد حق سكانها أو مستثمريها على حق الانتفاع، لأن الرقبة كانت ملكا لفرعون خاصة [٣]، يقول أحدهم و هو يخاطب المصريين آنذاك-: «إنكم و أراضيكم ملك لفرعون» [٤]:
و كان مما قاله Practon كبير المشترعين اليهود في القرن السادس عشر الميلادى و هو يوضح هذا الواقع الذي عاشه أبناء طائفته في تلك الحقبة و ما قبلها: «ليس من حق اليهودي أن يكون له ملك خاص لأن ما يحصل عليه أيا كان نوعه لا يحصل عليه لنفسه بل للملك» [٥].
هذا، و الظاهر أن تلك الفكرة عن الأرض هي- في أكثرها- نابعة من تلك القداسة التي أضفاها فريق من الناس على الأرض بشكل خاص.
و منهم مسيحيو العصور الوسطى الذين اعتبروها موطن المسيح و غلاف
[١]. الحنبلي، أحكام الأراضي- ٢١.
[٢]. ديورانت، قصة الحضارة- ٢/ ٨٢.
[٣]. السنهوري، الوسيط- ٨/ ٤٨٥.
[٤]. محمد صبيح، قصة الأرض في إقليم مصر- ١٠.
[٥]. ديورانت- ١٤/ ٥٩.