ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٢٧٦ - ثورة المدينة
الحجازيّة» ، فلم يرعوا ما بأهل المدينة من الحزن اللاعج و الأسى الدفين، و جعلوا همّهم كلّه أن يكرهوا القوم على نسيان خطب الحسين و اصطناع الولاء المغتصب ليزيد.
فحملوا إلى دمشق وفدا من أشراف المدينة لم يلبثوا أن عادوا إليها منكرين لحكم يزيد مجمعين على خلع بيعته، وراحوا يقولون لأهل المدينة:
«إنّا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، و يضرب بالطنابير، و يعزف عنده القيان، و يلعب بالكلاب، و يسمر عنده الخراب» [١] .
و قال رئيسهم عبد اللّه بن حنظلة الأنصاري-و هو ثقة عند القوم لصلاحه و زهده-: «لو لم أجد إلاّ بنيّ هؤلاء-و كان له ثمانية بنين- لجاهدت بهم. و قد أعطاني و ما قبلت عطاءه إلاّ لأتقوّى به» [٢] .
و التهبت نار الثورة بالألم المكظوم و الدعوة الموصولة، فأخرج المدنيون والي يزيد و جميع من بالمدينة من الأمويين و مواليهم، و أعلنوا خلعهم للبيعة.
و صدق ابن حنظلة النيّة، فكان يقدّم بنيه واحدا بعد واحد حتّى قتلوا جميعا، و قتل بعدهم أنفة من حياة يسام فيها الطاعة ليزيد و ولاته.
و بدا في ثورة المدينة أنّ يزيد لم يستفد كثيرا و لا قليلا من عبرة كربلاء؛ لأنّه سلّط على أهلها رجلا لا يقلّ في لؤمه و غلّه و سوء دخلته و ولعه بالشرّ و التعذيب و عبثه بالتقتيل و التمثيل عن عبيد اللّه بن زياد، و هو
[١] تاريخ أبي مخنف ٢: ٨، تذكرة الخواص ٢٨٨-٢٨٩، سمط النجوم العوالي ٣: ١٩٩.
[٢] تاريخ خليفة ١٤٨، المنتظم ٦: ١٩، البداية و النهاية ٨: ٢٢١.