ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٢٣٤ - حرب النور و الظلام
و من المتعذّر-بعد وقوف هاتين القوّتين موقف المراقبة و المناجزة- أن تتقصّى أوائل القتال و تتبع ترتيب الحوادث بعد واحدة على حسب وقوعها..
فإنّ الأقوال في سرد حوادث كربلاء لا تتّفق على ترتيب واحد، سواء كان هذا الترتيب في رواية أنصار الحسين أو رواية أنصار يزيد.
إلاّ أنّ الترتيب الطبيعي يستبين للعقل من سبب الوقوف في ذلك المكان، و هو منع الحسين أن ينصرف إلى سبيله و أن يرد الماء حتّى يكرهه العطش إلى التسليم، و كان الموقف كما وصفه أبو العلاء بعد ذلك بأربعة قرون:
منع الفتى هينا فجرّ عظائما # و حمى نمير الماء فانبعث الدم [١]
و لم يمتنع طريق الماء في بادئ الأمر دفعة واحدة؛ لأنّ حرّاس المورد من جماعة عمر بن سعد لم يكونوا على جزم بما يصنعون في مواجهة الحسين و صحبه.. فلمّا اندفع بعض أصحاب الحسين إلى الماء بالقرب و الأداوى [٢] ، مانعهم القوم هنيهة ثمّ أخلوا لهم سبيل النهر خوفا و حيرة، فشربوا و ملأوا قربهم و أداواهم بما يغنيهم عن الاستقاء إلى حين [٣] .
و الظاهر أنّ الشرّ كلّه كان في حضور شمر بن ذي الجوشن على تلك الساحة متربّصا كلّ التربّص بمن يتوانى في حصار الحسين و مضايقته،
[١] اللزوميات ٢: ٤٠٧.
[٢] الإداوة: إناء صغير من جلد يتّخذ للماء. (لسان العرب ١: ١٠٠) .
[٣] تاريخ أبي مخنف ١: ٤٤٩، تاريخ الطبري ٤: ٦١٣.