ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٢٣٣ - حرب النور و الظلام
و غرق فيها ليله و نهاره غير مبال بما يقال، كأنّما هو القائل: «دع عنك لومي، فإنّ اللوم إغراء» [١] .
و تحبّ المرأة أن تستحيي و تتوارى من المسبّة في هواها، ثمّ يغلبها هواها، فإذا هي ألقت حياءها للريح، و صنعت ما تحجم عنه التي لم تنازع نفسها قط في هوى، و لم تشعر قط بوطأة الخجل و الاستتار.
و اندفاع المتهجّمين على الشرّ في حرب كربلاء بغير داع من الحفيظة و لا ضرورة ملزمة تقضي بها شريعة القتال، لهو الاندفاع الذي يسبر لنا عمق الشعور بالإثم في نفوس أصحاب يزيد، و قد رأينا من قبل عمق الشعور بالحقّ في أصحاب الحسين..
و ما بنا من حاجة إلى البحث عن علّة مثل هذه العلّة لمن خلقوا مجرمين و خلقت معهم ضراوة الحقد و الإيذاء لهذا الميدان و غير هذا الميدان، كشمر بن ذي الجوشن و من جرى مجراه.. فهؤلاء لا يصنعون غير صنيعهم الأثيم كلّما وجدوا السبيل إليه.
على أنّها-بعد كلّ هذا-حرب بين الكرم و اللؤم، و بين الضمير و المعدة، و بين النور و الظلام.. فشأنها على أيّة حال أن تصبح مجالا من الطرفين لقصارى ما يبلغه الكرم و قصارى ما يبلغه اللؤم، و قد بلغت في ذلك أقصى مدى الطرفين.
***
[١] هذا صدر بيت لأبي نواس، و عجزه: و دواني بالتي كانت هي الداء.
انظر: ديوان أبي نواس ٦، الأغاني ٧: ١٩٨.
و راجع ترجمته في قائمة التراجم رقم (٥٣) .