محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٦٣
و السر في ذلك ان التكليف بنفسه لا يقتضى أزيد من ان يكون متعلقه مقدوراً و لو بالقدرة على فرد منه لئلا يكون البعث نحوه لغواً و ممتنعاً، لأن الغرض منه جعل الداعي له ليحرك عضلاته نحو الفعل بالإرادة و الاختيار. و من الواضح ان جعل الداعي إلى إيجاد الطبيعة المقدورة و لو بالقدرة على فرد منها بمكان من الوضوح.
و بتعبير آخر: ان الشارع لم يأخذ القدرة في متعلق أمره على الفرض، بل هو مطلق من هذه الجهة غاية ما في الباب ان التكليف المتعلق به يقتضى ان يكون مقدوراً من جهة ان الغرض منه جعل الداعي إلى إيجاده، و جعل الداعي نحو الممتنع عقلا أو شرعاً ممتنع. و من الواضح ان ذلك لا يقتضى أزيد من إمكان حصول الداعي المكلف، و هو يحصل من التكليف المتعلق بالطبيعة المقدورة بالقدرة على فرد منها، لتمكنه من إيجادها في الخارج، و لا يكون ذلك التكليف لغواً و ممتنعاً عندئذٍ، فإذا فرض ان الصلاة - مثلاً - مقدورة في مجموع وقتها و ان لم تكن مقدورة في جميعها فلا يكون البعث نحوها و طلب صرف وجودها في مجموع هذا الوقت لغواً.
و عليه فلا مقتضى للالتزام بان متعلقه حصة خاصة من الطبيعة و هي الحصة المقدورة، فان المقتضى له ليس إلا توهم ان الغرض من التكليف حيث انه جعل الداعي فجعل الداعي نحو الممتنع غير معقول، و لكنه غفلة عن الفارق بين جعل الداعي نحو الممتنع، و جعل الداعي نحو الجامع بين الممتنع و الممكن، و الّذي لا يمكن جعل الداعي نحوه هو الأول دون الثاني، فان جعل الداعي نحوه من الوضوح بمكان.
فالنتيجة على ضوء هذا البيان انه يصح الإتيان بالفرد المزاحم بداعي امتثال الأمر بالطبيعة من دون فرق بين القول بان منشأ اعتبار القدرة هو حكم العقل، أو اقتضاء نفس التكليف ذلك.