محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢١٧
وجوب الجمعة في يوم الجمعة تعييناً و دل دليل آخر على وجوب الظهر فيها كذلك، فانه لا تنافي و لا تضاد بين مدلولي هذين الدليلين أصلا بالذات و الحقيقة، لمكان وجوب كلتا الصلاتين معاً في يوم الجمعة، و لا يلزم منه أي محذور من التضاد أو التناقض، و لكن بما انا علمنا بعدم وجوب ستة صلوات في يوم واحد يقع التعارض بين الدليلين في مقام الإثبات، فيدل كل واحد منهما بالدلالة الالتزامية على نفي مدلول الآخر.
و من هذا القبيل التنافي بين ما دل على ان الواجب على من سافر أربعة فراسخ غير قاصد للرجوع في يومه هو الصلاة تماماً، و ما دل على ان الواجب عليه الصلاة قصراً، حيث لا تنافي بين مدلوليهما بالذات و الحقيقة، و لا مانع من الجمع بينهما في نفسه، و التنافي بينهما إنما نشأ من العلم الخارجي بكذب أحدهما في الواقع و عدم ثبوته فيه من جهة عدم وجوب ستة صلوات في يوم واحد، و لأجل ذلك يدل كل من الدليلين بالدلالة الالتزامية على نفي مدلول الدليل الآخر.
و قد تحصل من ذلك ان النقطة الرئيسية التي هي مبدأ انبثاق التعارض بين الدليلين بشتى اشكاله أي سواء أ كان بالذات و الحقيقة أو كان بالعرض و المجاز و سواء أ كان على وجه التباين أو العموم من وجه هي ان ثبوت مدلول كل منهما في مقام الجعل يقتضى رفع اليد عن مدلول الآخر و موجب لانتفائه في ذلك المقام مع بقاء موضوعه بحاله، لا بانتفائه، و من هنا يرجع جميع أقسام التعارض إلى التناقض حقيقة و واقعاً بمعنى ان ثبوت مدلول كل واحد منهما يستلزم عدم ثبوت مدلول الآخر اما بالمطابقة، و اما بالالتزام.
و على الجملة فملاك التعارض و التنافي بين الدليلين هو ما ذكرناه غير مرة من ان كل دليل متكفل لثبوت الحكم على فرض وجود موضوعه في الخارج بنحو القضية الحقيقية. هذا من جانب. و من جانب آخر انك قد عرفت في غير موضع ان نسبة الحكم إلى الموضوع في عالم التشريع كنسبة المعلول إلى العلة التامة في