محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٢
و أما في الموجودات التكوينية فالامر أيضاً كذلك، إذ لا شبهة في حاجة الأشياء إلى علل و أسباب فيستحيل ان توجد بدونها.
و سر حاجة تلك الأشياء بصورة عامة إلى العلة و خضوعها لها هو ان الحاجة كامنة في ذوات تلك الأشياء، لا في أمر خارج عنها، فان كل ممكن في ذاته مفتقر إلى الغير و متعلق به، سواء أ كان موجوداً في الخارج أم لم يكن، ضرورة ان فقرها كامن في نفس وجوده، و إذا كان الأمر كذلك فلا فرق بين الحدوث و البقاء في الحاجة إلى العلة، فان سر الحاجة و هو إمكان الوجود لا ينفك عنه، كيف فان ذاته عين الفقر و الإمكان، لا انه ذات لها الفقر.
و على أساس ذلك فكما ان الأشياء في حدوثها في أمس الحاجة إلى سبب و علة، فكذلك في بقائها، فلا يمكن أن نتصور وجوداً متحرراً عن تلك الحاجة أو فقل: ان النقطة التي تنبثق منها حاجة الأشياء إلى مبدأ الإيجاد ليست هي حدوثها، لأن هذه النظرية تستلزم تحديد حاجة الممكن إلى العلة من ناحيتين:
المبدأ و المنتهى.
اما من ناحية المبدأ فلأنها توجب اختصاص الحاجة بالحوادث و هي الأشياء الحادثة بعد العدم، و اما إذا فرض ان للممكن وجوداً مستمراً بصورة أزلية لم تكن فيه حاجة إلى المبدأ، و هذا لا يطابق مع الواقع، إذ الممكن يستحيل وجوده من دون علة و سبب، و إلا انقلب الممكن واجباً و هذا خلف. و اما من ناحية المنتهى فلأن الأشياء على ضوء هذه النظرية تستغني في بقائها عن المؤثر، و من الواضح انها نظرية خاطئة لا تطابق الواقع، كيف فان حاجة الأشياء إلى ذلك المبدأ كامنة في صميم وجودها كما عرفت.
تلخص ان هذه النظرية بما انها تستلزم هذين الخطأين في المبدأ، و توجب تحديده في نطاق خاص و إطار مخصوص فلا يمكن الالتزام بها.
و الصحيح أن منشأ حاجة الأشياء إلى المبدأ و خضوعها له خضوعاً ذاتياً