محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ١١٨
نعم لو كان تعلق امرين بهما في عرض واحد و على وجه الإطلاق لكان ذلك مستلزماً لطلب الجمع بينهما لا محالة. و لكن أين هذا من تعلق امرين بهما على نحو الترتب بان يكون أحدهما مطلقاً و الآخر مشروطاً بعصيان الأول و عدم الإتيان بمتعلقه، لأنك عرفت ان اجتماع الأمرين كذلك لا يستلزم طلب الجمع بين متعلقيهما بل هو في طرف النقيض معه و ينافيه و يعانده، لا انه يقتضيه كما مر.
و على الجملة فالغرض من بيان هذه الجهة الإشارة إلى هذين الأمرين أعني بهما دفع الخيال المزبور و انه لا مجال له أصلا. و امتياز المقام عن الصور المتقدمة و ان فعلية الأمرين في تلك الصور تستلزم طلب الجمع لا في المقام كما عرفت.
الجهة الرابعة - (و هي الجهة الرئيسية لأساس الترتب و تشييد كيانه) قد ذكرنا غير مرة ان الخطابات الشرعية بشتى اشكالها لا تتعرض لحال موضوعاتها وضعاً و رفعاً و إنما هي تتعرض لحال متعلقاتها على تقدير وجود موضوعاتها - مثلا - خطاب الحج كما في الآية المباركة لا يكون متعرضاً لحال الاستطاعة، و لا يكون ناظراً إليها وجوداً و عدماً، و إنما يكون متعرضاً لحال الحج باقتضاء وجوده على تقدير وجود الاستطاعة و تحققها في الخارج بأسبابها المقتضية له، فلا نظر له إلى إيجادها، و لا إلى عدم إيجادها - أصلا - و لا إلى انها موجودة أو غير موجودة.
و كذا خطاب الصلاة، و خطاب الزكاة و ما شاكلهما، فان كلا منها لا يكون متعرضاً لحال موضوعه، لا وضعاً و لا رفعاً، و لا يكون مقتضياً لوجوده و لا لعدمه، و إنما هو متعرض لحال متعلقه باقتضاء إيجاده في الخارج على تقدير وجود موضوعه.
و السر في ذلك هو ان جعل الأحكام الشرعية إنما هو على نحو القضايا الحقيقية و معنى القضية الحقيقية هو ان ثبوت المحمول فيها و وجوده على تقدير وجود الموضوع و ثبوته، و نسبة المحمول فيها إلى الموضوع وضعاً و رفعاً نسبة لا اقتضائية