محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٧٠
بلزوم الإتيان بالمهم فعلا، بل يحكم بعدم جواز الإتيان به، لاستلزامه تفويت ما هو الأهم منه، و مثاله ما إذا دار الأمر بين حفظ مال الإنسان - مثلا - فعلا، و حفظ نفسه في زمان متأخر، بان لا يقدر على حفظ كليهما معاً، فلو صرف قدرته في حفظ ماله فعلا فلا يقدر على حفظ نفسه و لو عكس فبالعكس، كما إذا فرض أن الحاكم حكم بمصادرة أمواله فعلا، و هو و ان كان قادراً على حفظ ماله بالشفاعة عنده، إلا انه يعلم بأنه يحكم بعد بضع ساعات بقتل نفسه، فلو توسط عنده فعلا لحفظ ماله، فلا يقبل توسطه فيما بعد لحفظ نفسه، لفرض انه لا يقبل توسطه في اليوم الآمرة واحدة، فاذن يدور امره بين ان يحفظ نفسه في زمان متأخر و يرفع يده عن حفظ ماله فعلا، و ان يحفظ ماله فعلا و يرفع يده عن حفظ نفسه فيما بعد، ففي مثل ذلك لا إشكال في حكم العقل بترجيح الأول على الثاني، و تقديمه عليه، و كذا إذا دار الأمر بين امتثال واجب فعلى آخر و حفظ نفس محترمة في زمان متأخر بان لا يقدر المكلف على امتثال الأول و حفظ الثانية معاً، فانه لا إشكال في وجوب حفظ القدرة على الواجب المتأخر، و هو حفظ النّفس المحترمة و رفع اليد عن وجوب الواجب الفعلي. و هكذا.
ثم انه لا يخفى ان ما ذكرناه من تقديم الواجب الأهم على المهم فيما إذا كان متأخراً عنه زمانا بناء على وجهة نظرنا من إمكان الواجب المعلق واضح، حيث ان الوجوب فعلى على الفرض و الواجب أمر متأخر. و من المعلوم ان فعلية الوجوب تكشف عن كون الواجب في ظرفه واجداً للملاك الملزم. و قد عرفت انه لا فرق في نظر العقل بين تفويت الواجب الفعلي و تفويت الملاك الإلزاميّ، فكما انه يحكم بقبح الأول، فكذلك يحكم بقبح الثاني.
و على ذلك فان لم يكن ملاك الواجب المتأخر في ظرفه أهم من ملاك الواجب الفعلي، و كانا متساويين فيحكم العقل بالتخيير بينهما، و عدم ترجيح الواجب الفعلي على المتأخر، لعدم العبرة بالسبق الزماني في المقام أصلا.