محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٧١
و ما ذكرناه سابقاً - من ان ما هو أسبق زماناً يتقدم على غيره - انما هو فيما إذا كان التزاحم بين واجبين يكون كل منهما مشروطاً بالقدرة شرعاً، لا فيما إذا كان مشروطاً بها عقلا. و نقطة الفرق بينهما هي انه على الأول بما ان كلا منهما مشروط بالقدرة شرعاً، ففي فرض المزاحمة لا مناص من الأخذ بما هو سابق زماناً على الآخر، حيث ان ملاكه تام بالفعل من ناحية انه مقدور للمكلف عقلا و شرعاً، و معه لا عذر له في تركه أصلا. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى انه لا يجب احتفاظ القدرة على الواجب المتأخر، لفرض ان القدرة دخيلة في ملاكه، فيستحيل أن يقتضى احتفاظها.
فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي انه لا بد من الإتيان بالمتقدم زماناً دون المتأخر. و من الواضح ان الإتيان به يوجب عجزه عنه، فيكون التكليف به منتفياً بانتفاء موضوعه - و هو القدرة - و على الثاني بما ان كلا منهما مشروط بالقدرة عقلا، فلا يكون سبق أحدهما زماناً على الآخر في فرض المزاحمة من المرجحات، لما عرفت من أن ملاك الواجب المتأخر حيث انه تام في ظرفه - كما هو المفروض - فلا محالة يقتضى الاحتفاظ عليه في ظرفه في مقابل افتضاء الواجب الفعلي.
و اما بناء على وجهة نظر شيخنا الأستاذ - قده - من استحالة الواجب التعليقي و عدم إمكانه فتقديم الأهم على المهم إذا كان متأخراً عنه زماناً يرتكز على إحراز الملاك فيه في ظرفه من دليل خارجي، فان علم من الخارج اشتماله على الملاك، كما إذا دار الأمر بين امتثال واجب فعلى كحفظ مال المولى - مثلا - و واجب متأخر كحفظ نفسه أو حفظ بيضة الإسلام، أو ما شاكل ذلك من الواجبات التي قد اهتم الشارع بها غاية الاهتمام على نحو الإطلاق من دون اختصاص بوقت دون آخر، فلا إشكال في تقديم الأهم على المهم، و ان كان متأخراً عنه زماناً، لتمامية ملاكه الإلزامي في وقته. و قد عرفت استقلال العقل باحتفاظ القدرة عليه في ظرفه و عدم جواز صرفها في الواجب الفعلي، ففي أمثال هذه الموارد لا فرق بين نظريتنا