محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٧٦
الثانية - جريان البراءة في القسم الأخير. اما الدعوى الأولى، فقد ذكرنا غير مرة ان الشك في حجية شيء في مقام الجعل و التشريع مساوق للقطع بعدم حجيته فعلا ضرورة انه مع هذا الشك لا يمكن ترتيب آثار الحجة عليه و هي اسناد مؤداه إلى الشارع، و الاستناد إليه في مقام الجعل، للقطع بعدم جواز ذلك، لأنه تشريع محرم. و من المعلوم انا لا نعنى بالحجية الفعلية إلا ترتيب تلك الآثار عليها، و عليه فإذا دار الأمر بين حجية شيء كفتوى الأعلم مثلا تعييناً، و حجيته تخييراً فلا مناص من الأخذ به، و طرح الطرف الآخر للقطع بحجيته و اعتباره فعلا اما تعييناً أو تخييراً، و الشك في حجية الآخر كفتوى غير الأعلم و اعتباره. و قد عرفت أن الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها، و هذا واضح.
و كذا الحال في مقام الامتثال، فانه إذا دار الأمر بين امتثال شيء تعييناً أو تخييراً، فلا مناص من التعيين و الأخذ بالطرف المحتمل تعيينه، ضرورة ان الإتيان به يوجب القطع بالأمن من العقاب و اليقي ن بالبراءة، و ذلك لأنه على تقدير كونه أهم من الآخر فهو الواجب، و على تقدير كونه مساوياً له فهو مصداق للواجب واحد فرديه. و من المعلوم ان الإتيان به كاف في مقام الامتثال، و هذا بخلاف الطرف الّذي لا تحتمل أهميته أصلا، فان الإتيان به لا يوجب القطع بالبراءة و الأمن من العقاب، لاحتمال أن لا يكون واجباً في الواقع - أصلا - و انحصار الوجوب بالطرف الأول. و من الواضح جداً ان العقل يستقل في مرحلة الامتثال بلزوم تحصيل اليقين بالبراءة و الأمن من العقوبة بقانون ان الاشتغال اليقينيّ يقتضى البراءة اليقينية، و بما ان المفروض في مسألة دوران الأمر بين التعيين و التخيير في مقام الامتثال اشتغال ذمة المكلف بالواجب. فيجب عليه بحكم العقل تحصيل بالبراءة عنه و الأمن من العقوبة، و حيث انه لا يمكن الا بإتيان الطرف المحتمل أهميته، فلا محالة ألزمه العقل بالأخذ به و إتيانه، و هذا معنى حكم العقل