محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣١
كامن في صميم ذاته و وجوده، مع ان البقاء هو الحدوث، غاية الأمر انه حدوث ثان و وجود آخر في مقابل الوجود الأول، و الحدوث هو الوجود الأول غير مسبوق بمثله، و عليه فإذا تحقق فعل في الخارج من الفاعل المختار كالتكلم - مثلا - الّذي هو مضاد للسكوت، أو الحركة التي هي مضادة للسكون، أو الصلاة التي هي منافية للإزالة، فهذا الفعل كما انه في الآن الأول بحاجة إلى إعمال القدرة فيه و الاختيار، كذلك بحاجة إليه في الآن الثاني و الثالث و هكذا، فلا يمكن ان نتصور استغناءه في بقائه عن الفاعل بالاختيار.
و على هذا الضوء لا فرق بين الضد الموجود و المعدوم، إذ كما ان تحقق كل منهما في الزمان الأول كان متوقفاً على وجود مقتضية (الاختيار و إعمال القدرة) كذلك تحققه في الزمان الثاني كان متوقفاً عليه. و قد أشرنا آنفاً ان نسبة بقاء الضد الموجود في الآن الثاني كنسبة حدوث الضد المعدوم فيه في الحاجة إلى المقتضى و فاعل ما منه الوجود، فكما ان الأول لا يتوقف على عدم الثاني فكذلك الثاني لا يتوقف على عدم الأول.
أو فقل: ان كل فعل اختياري ينحل إلى أفعال متعددة بتعدد الآنات و الأزمان فيكون في كل آن فعل صادر بالإرادة و الاختيار، فلو انتفى الاختيار في زمان يستحيل بقاء الفعل فيه، و لذلك لا فرق بين الدفع و الرفع عقلا إلا بالاعتبار هو ان الدفع مانع عن الوجود الأول و الرفع مانع عن الوجود الثاني، فكلاهما في الحقيقة دفع، و مثال ذلك ما إذا أراد المكلف فعل الإزالة دون الصلاة، فكما ان تحقق كل واحدة منهما في الزمن الأول كان منوطاً باختياره و إعمال القدرة فيه، فكذلك تحقق كل منهما في الزمن الثاني كان منوطاً باختياره و إعمال القدرة فيه، فهما من هذه الناحية على نسبة واحدة.
فالنتيجة: ان احتياج الأفعال الاختيارية إلى الإرادة و الاختيار من الواضحات الأولية فلا يحتاج إلى مئونة بيان و إقامة برهان.