محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٦
و قد تلخص: ان الأشياء - بشتى ألوانها و اشكالها - خاضعة للمبدإ الأول خضوعاً ذاتياً. و هذا لا ينافي ان يكون تكوينها و إيجادها بمشيئة اللّه تعالى و إعمال قدرته كما فصلنا الحديث - من هذه الناحية - في بحث الطلب و الإرادة. و قد وضعنا هناك الحجر الأساسي للفرق بين زاوية الأفعال الاختيارية و زاوية المعاليل الطبيعية.
ثم انا لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا صحة نظرية ان منشأ الحاجة هو الحدوث في الموجودات التكوينية و انها تملك حريتها في البقاء و لا تخضع لمبدإ، إلا انها بديهية البطلان في الأفعال الاختيارية التي هي محل الكلام في المسألة، ضرورة ان الفعل الاختياري يستحيل بقاؤه بعد ارتفاع الإرادة و الاختيار إذاً لا وجه للتفصيل بين الضد الموجود و المعدوم.
و يجدر بنا ان نختم الحديث عن مقدمية عدم الضد للضد الآخر و عدم مقدميته و قد عرفت استحالة مقدميته. هذا بحسب الصغرى.
و اما الكبرى و هي وجوب مقدمة الواجب. فقد تقدم الكلام فيها، و قلنا هناك انه لا دليل على ثبوت الملازمة بين إيجاب شيء و إيجاب مقدمته، و ما ذكروه من الأدلة على ذلك قد ناقشناها واحداً بعد واحد، بل ذكرنا هناك - مضافاً إلى ان الوجدان حاكم بعدم ثبوت الملازمة بينهما - ان إيجاب المقدمة شرعاً لغو محض فلا يترتب عليه أثر أصلا.
الوجه الثاني - قد استدل بعضهم على ان الأمر بشيء يقتضى النهي عن ضده بان وجود الضد ملازم لترك الضد الآخر، و المتلازمان لا يمكن اختلافهما في الحكم بان يكون أحدهما واجباً و الآخر محرماً، و عليه فإذا كان أحد الضدين واجباً فلا محالة يكون ترك الآخر أيضا واجباً، و إلا لكان المتلازمان مختلفين في الحكم و هو غير جائز.
أقول: هذا الدليل أيضا مركب من مقدمتين:
الأولى - صغرى القياس، و هي ثبوت الملازمة بين وجود شيء و عدم ضده.