محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٤
و المصانع و ما شاكلها مما شاده المهندسون و الفنانون في شتى ميادين العلم، فانها بعد أن انتهت عمليتها بيد هؤلاء الفنانين و العمال تبقى إلى أمد بعيد من دون علة مباشرة لها.
و كالجبال و الأحجار و الأشجار و نحوها من الموجودات الطبيعية على سطح الأرض فانها باقية و لم تكن في بقائها بحاجة إلى علة مباشرة لها.
و الخلاصة: ان المناقش قد عارض قانون التعاصر بظواهر تلك الأمثلة التي تكشف بظاهرها عن ان المعلول لا يحتاج في استمرار وجوده و بقائه إلى علة، بل هو باق مع انتفاء علته.
و الجواب عن تلك المناقشة: انها قد نشأت عن عدم فهم معنى العلية فهما صحيحاً كاملا. و قد تقدم بيان ذلك، و قلنا هناك ان حاجة الأشياء إلى مبدأ و سبب كامنة في صميم ذاتها و لا يمكن أن تملك حريتها بعد حدوثها.
و الوجه في ذلك هو: ان علة تلك الأشياء و الظواهر حدوثاً غير علتها بقاء. و بما ان المناقش لم ينظر إلى علة تلك الظواهر لا حدوثاً و لا بقاء نظرة عميقة صحيحة وقع في هذا الخطأ، لأن ما هو معلول للمهندسين و البناءين و آلاف العمال في بناء العمارات و الدور و صنع الطرق و الجسور و الوسائل المادية الأخرى من المكائن و السيارات و غيرها إنما هو نفس عملية صنعها و تصميمها نتيجة عدة من الحركات و الجهود التي يقوم بها العمال و نتيجة تجميع المواد الخام من الحديد و الخشب و الآجر و غيرها من المواد لتصنيع السيارات و تعمير العمارات و تركيب سائر الآلات، و هذه الحركات هي المعلولة للعمال و الصادرة عنهم و لذا تنقطع تلك الحركات بمجرد اضراب العمال عن العمل و كف أيديهم عنها.
و اما بقاء تلك الظواهر و الأشياء على وضعها الخاصّ فهو معلول لخصائص تلك المواد الطبيعية و حيويتها، و قوة الجاذبية العامة التي تفرض عليها المحافظة على وضعها. نظير اتصال الحديد بما فيه القوة الكهربائية فانها تجذب الحديد بقوة